حوار طرشان
في الظاهر تبدو رسالة باراك اوباما الى الإيرانيين بمناسبة رأس السنة الإيرانية وكأنها تمثل تغييراً في الموقف الاميركي حيال الجمهورية الاسلامية. وهو تغيير في اسلوب المخاطبة من دون شك، فيه اشادة بالإرث الثقافي والأدبي الذي زودت به إيران حضارات العالم، وفيه رغبة في "اخذ ايران الى مكانها الصحيح بين الدول"، وفيه اعتراف بالنظام الايراني من خلال مخاطبة "الشعب والقادة في جمهورية ايران الاسلامية".
لكن ماذا في رسالة اوباما غير ذلك مما يمكن اعتباره مختلفاً عما سبق من مبادرات اميركية حيال ايران، في ازمنة الادارات السابقة، بما فيها ادارة جورج بوش، رغم تصنيفها ايران ضمن مجموعة "محور الشر"؟ هل عرض اوباما بسلوك طريق الديبلوماسية مع ايران لحل الخلافات معها هو عرض جديد؟ وماذا تسمى رزمة الحوافز التي وضعت على الطاولة طوال فترة مفاوضات الدول الست (بما فيها الولايات المتحدة) مع النظام الايراني على مدى السنتين الماضيتين في محاولة لإقفال الملف النووي المثير لقلق جيران ايران، قبل أن يثير قلق الولايات المتحدة؟ ألم تعرض كوندوليزا رايس لقاء مباشراً مع وزير الخارجية الايراني في خروج واضح على الاتصالات المقطوعة بين البلدين، اذا قامت ايران بخطوة ايجابية لايضاح نواياها النووية؟ ألم يكن هذا عرضاً ديبلوماسياً؟ وماذا كان رد ايران عليه سوى المزيد من التعنت، انطلاقاً من تفسير قادة النظام في طهران اي خطوة تجاههم على انها اقرار بهزيمة الأطراف والقوى الغربية التي تقف في وجههم؟
ثم ماذا في رسالة اوباما من عروض الى الايرانيين من النوع الذي يدعوهم الى الرد الايجابي عليها؟ يقول الرئيس الاميركي إن ايران لا يمكنها ان تشغل مكانتها بين الدول "بالإرهاب او بالأسلحة"، بل "بالتحركات السلمية". ويضيف ان مقياس عظمة ايران لا يتجسد في "القدرة على التدمير". كيف يمكن فهم هذه الاشارات بمعزل عن مواقف ادارة اوباما التي عبرت عنها اخيراً بوضوح من كل من "حزب الله" و "حماس"، المعتبرين في واشنطن الى اليوم تنظيمين ارهابيين، او عن مواقفها من البرنامج النووي، المتهم بأنه يتم تطويره لاغراض غير سلمية، أي "تدميرية"؟ ثم ماذا عن دعوة اوباما لإيران الى العيش مع "جيرانكم والعالم الأوسع بأمن وسلام"، هل يعتبر اوباما ان اسرائيل هي بين هؤلاء الجيران؟ وماذا يكون رأيه في هذه الحال من مواقف احمدي نجاد حيال الدولة العبرية؟
لهذا السبب يريد الايرانيون من اوباما "افعالاً" بالاضافة الى الاقوال. فهم اذكياء الى درجة يستطيعون معها ملاحظة التغيير في اسلوب التخاطب الذي يعتمده اوباما معهم. ولكن ماذا بعد ذلك؟ وهل يستطيع الرئيس الأسمر ان يقدم لهم الاعتذارات التي يطلبونها عن اكثر من نصف قرن من سوء التعامل الاميركي معهم، منذ الانقلاب على مصدّق الى حماية الشاه الى دعم صدام حسين في حربه معهم؟ أي بعبارة اخرى أن يمحو نصف قرن من تاريخ البلاد التي اختارته رئيساً لها؟
يريد الرئيس الاميركي الجديد أن يعطي الانطباع بأنه ينهج سياسة مختلفة عن سلفه. لكن تغيير لغة التخاطب من قبل البيت الابيض يبقى من دون أثر اذا لم يرافقه تغيير في اسلوب الرد على هذا الخطاب من جانب الذين يتلقون الرسائل الاميركية. من دون ذلك يصبح هذا التخاطب حوار طرشان، وهو الحاصل حالياً في ما يبدو بين واشنطن وطهران. فمن جهة هناك ميل لدى ادارة اوباما الى انهاء الخلافات السابقة والتعامل مع الأزمات الدولية بعقلية جديدة، ومن الجهة المقابلة يتم تفسير هذه الخطوة بانها نتيجة هزيمة المشروع الاميركي، ما يستدعي استثمار هذه الهزيمة من جانب ايران، وتعزيز نفوذها في المواقع التي تشعر انها انتصرت فيها. مشكلة اوباما مع ايران انه غير مستعد ولا مصالح بلاده تسمح بالرضوخ لهذه الانتصارات الايرانية.
