مَنْ يحكم مَنْ؟
منذ أن فتح ملف الانتخابات النيابية تشهد الساحة السياسية نقاشاً بين الأكثرية والأقلية حول سؤال مطروح منذ نشوب الأزمة بين الفريقين مَنْ يحكم لبنان بعد الانتخابات وكيف يحكمه؟
النقاش يحتد مرات حتى لتخال أنك أمام خطة ليس لتغيير قواعد اللعبة الديمقراطية التي حكمت لبنان منذ الأربعينيات بل منذ إعلان أول دستور للبلاد، بل أمام خربطة النظام القائم والانقلاب على دستور الطائف ما يعني أننا مقبلون على أزمة حادة وأكثر حدة من تلك السنوات الثلاث الصعبة الماضية، وأحياناً تخف حدته من دون صدور أي إعلان من الطرفين المتصارعين أنه سلّم برأي الآخر.
والنقاش الدائر مفاده أن فريق الأقلية وفي حال خسر الانتخابات بمعنى أنه لم يحصل على الأكثرية لن يسمح للأكثرية بأن تحكم وحدها ويبقى هو في مقاعد المعارضة يراقب ويسائل ويحاسب ويطرح الثقة بالحكومة الممثلة للأكثرية،بل يتمسك بحقه غير الدستوري في المشاركة بالحكم على أساس الثلث المعطِّل وهو يعلم أن هذه البدعة التي أنتجها اتفاق الدوحة تخالف الدستور وتنسف اتفاق الطائف، ذلك لأن الدستور نص على أن تتمثل كل الطوائف في أي حكومة تشكل، ولم يلحظ إعطاءها حق النقض من خلال تمثيلها بالثلث المعطِّل.
أما فريق الأكثرية والتزاماً منه بالدستور واتفاق الطائف، فأعلن بكل وضوح ومن دون أي لبس أنه إذا خسر الانتخابات وتحوّل الى أقلية فلن يشارك في الحكومة، ليس على أساس الثلث المعطِّل، ولا على أي أساس آخر، وإنما سيذهب الى المعارضة ويمارس دورها في الرقابة والمحاسبة والمساءلة وفق ما تقتضيه قواعد اللعبة الديمقراطية البرلمانية، وذلك من باب التعبير عن حرصه على عدم خرق الدستور وتجاوز النظام المعمول به، وإدخال البلد في متاهات الكونفدراليات التي تمارس عادة حق النقض، ولا تتخذ أي قرارات إلا بموافقة جميع الدول متحدة.
وهذا الفريق لم يناور، ولم يساير في ما أعلنه، ولا هو بالتالي يقبل أي مشاركة في الحكم تناقص الدستور لعلمه بأن ميزة لبنان هي في المحافظة على دستوره ومقتضياته وليس في استخدامه وفق ما يتناسب مع مصالحه الآنية وحتى المستقبلية.
وهذا الخلاف المحتدم بين الفريقين الى ما يؤدي فيما لو خسرت الأقلية وحافظت في المجلس النيابي المقبل على حجمها الحالي، سيؤدي حتماً وتبعاً لتصريحات قادتها الى منع الأكثرية من الحكم، باستخدام قواتها العسكرية، وهي لا شك تملك هذه القوة ولا تخجل من امتلاكها لها، وهذا يؤدي حتماً الى دخول لبنان في أزمة مستفحلة لكنها معروفة النتائج منذ الآن، وعلى الأكثرية التي واثقة من أنها ستعود بعد الانتخابات أكثرية أن تحسب منذ الآن لكل الاحتمالات الواردة.
