#dfp #adsense

السيادة والمقاومة لم تعودا بالمفاهيم والقوة نفسها التي انطلقتا منها

حجم الخط

السيادة والمقاومة لم تعودا بالمفاهيم والقوة نفسها التي انطلقتا منها
المتغيرات الخارجية المتسارعة تضع الجميع أمام تحدي التأقلم معها

تقبل الظروف السياسية في المنطقة على التبدل بسرعة بحيث لا يتعذر على لبنان ان يكون في منأى عن تداعياتها. وسلطت الضوء على هذه التداعيات أخيراً الرسالة التي وجهها الرئيس الاميركي باراك أوباما الى ايران وشعبها قبل يومين في مناسبة عيد رأس السنة الفارسية، داعياً طهران الى فتح صفحة جديدة وأخذ مكانها في المجتمع الدولي بعيداً من الارهاب والسلاح. فالحوار الاميركي مع ايران يحتمل ان يقود الى معالجة جملة مسائل معقدة عالقة في المنطقة بما فيها لبنان والسلاح الذي تمد به "حزب الله". ومع ان هذا الموضوع ليس مطروحاً للحل بين ليلة وضحاها فإنه يبقى أحد أبرز ما يمكن أن يؤثّر فيه الحوار الاميركي مع طهران. والامر نفسه يسري بالقوة نفسها على الحوار الاميركي مع سوريا، خصوصاً في ضوء اعلان الرئيس السوري بشار الاسد في حديثه الصحافي الاخير أن مصالح بلاده تلتقي والمصالح الاميركية بنسبة 80 في المئة، عارضاً العمل على إدخال "حزب الله" وحركة "حماس" في المفاوضات مع اسرائيل.

وهذان التطوران اللذان يرمزان الى احتمال إعادة استيعاب سوريا وايران في المجتمع الدولي يتركان انعكاسات مباشرة على مفهوم المقاومة ومشروعها في لبنان، وعلى "حماس" التي تتكثف الجهود لحملها على الانخراط من العمل المشترك مع السلطة الفلسطينية برعاية مصر تحديداً، على رغم ما استهدف القاهرة إبان حرب اسرائيل على غزة. وتالياً كان مقدراً ان يكون الإرباك اوسع في لبنان بسبب هذه التطورات لولا الانشغال بالانتخابات النيابية وفقاً للعناوين القائمة على رغم ان هذه العناوين يمكن ان تطرأ عليها تبدلات جذرية في المرحلة المقبلة، في حين يخشى بعضهم أن يبدأ ذلك حتى قبل الانتخابات.

وواقع الأمر، ان على طرفي قوى 14 و8 آذار قراءة ما يجري بدقة وتقويم حساباتهما في ضوء التطورات الاخيرة المتسارعة وحتمية العمل على التكيف مع تداعياتها المحتملة. فقوى 14 آذار التي تخوض الانتخابات في اطار استكمال مشروعها لحماية سيادة لبنان واستقلاله، حققت ما حققت على هذا الصعيد بخروج سوريا من لبنان واقامة المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وسائر الاغتيالات، الى جانب تأمين عودة رئاسة الجمهورية الى مسارها الصحيح وسوى ذلك من الامور المهمة. ولكنها لا تستطيع واقعياً الاستمرار تحت هذه العناوين نفسها ولا في الخطاب نفسه وخصوصاً بعد الانتخابات وبالأكثر في حال فوزها بالغالبية مجدداً في الانتخابات. إذ لا يعقل أن تتصالح سوريا مع العرب والعالم وتجري مفاوضات مع اسرائيل وتصبح على قاب قوسين أو أدنى من توقيع اتفاق سلام معها، على ما كشف الرئيس السوري نفسه، ولا تسعى هذه القوى الى مواكبة التطورات بتعديل في الخطاب والاداء.

والامر نفسه ينسحب على "حزب الله" الذي يقود المعسكر الآخر، وخصوصاً بعدما باتت قضية تحرير الاراضي السورية المحتلة بما فيها مزارع شبعا، باعتبار ان سوريا ترفض التسليم للبنان بملكيتها قبل أن تحصل على الجولان، على طاولة المفاوضات الديبلوماسية قطعا مع اتفاق سلام في الأفق بين سوريا واسرائيل. وعلى رغم اعتبار بعضهم ان الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله رد اخيرا على منطق التفاوض مع اسرائيل بمنطق معاكس، فان بعضهم الآخر يدرج كلامه في اطار رفع السقف السياسي باعتبار انه لم يكن اتضح بعد التوجه الاميركي نحو ايران، وكذلك في اطار حفظ موقع الحزب وجعله رقماً صعباً لتحصيل أقصى ما يمكن.

لكن الأفق السياسي المتغيرفي المنطقة يجعل الافرقاء اللبنانيين في ازمة فعلية في انتظار بلورة خطاب ومشروع يواكبان كل تداعيات الافق الذي لم يتضح بعد.

ولكن تفترض التحضير في المقابل لكل الاحتمالات من اجل التلاقي في الداخل وصياغة حوار جديد لئلا يفرض التلاقي الخارجي قواعده على الداخل. على غرار ما جرى في المرحلة التي واكبت اتفاق الطائف، وإن لم تؤد الأمور الى اتفاق طائف جديد. لكن نزع فتائل الخلافات الخارجية والنزاعات الاقليمية مباشرة وعبر لبنان يساعد اللبنانيين من جهة في لملمة اوضاعهم، وخصوصاً ان ثمة ضغوطا قوية ليقوموا بذلك بأنفسهم، في حين ان سوريا تولت ذلك بالنيابة عنهم في اتفاق الطائف. فالمشروعان اللذان تحملهما قوى 14 آذار لم يعودا مشروعين في منطلقات كل منهما، على رغم ما حققا، اذ طرأت عليهما تعديلات كبيرة، فضلاً عن ان الظروف الدولية والاقليمية التي واكبت كل منهما بدأت تختلف وتتغير. اذ ان مضمون السيادة لم يعد بالمعنى نفسه بعد اقرار سوريا بعلاقات ديبلوماسية بينها وبين لبنان وظهور لبنان دولة مستقلة لها حيثيتها الخاصة بعيدا من الفلك السوري. ومضمون المقاومة لم يعد هو نفسه بعد حرب تموز، وايضاً بعد حرب غزة، وفي ظل مفاوضات سورية – اسرائيلية كانت ناشطة ابان هاتين الحربين.

فهل سيكون الطرفان مستعدين للتأقلم مع التحولات الجديدة بعد الانتخابات النيابية؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل