على حائط سيدة النجاة
أضغط بيدي على حائط تلك الكنيسة واغمض عيني.
نهر دماء ينساب تحت قدمي. دمع مالح لا يطفئ اللهب. ها هو الابونا ممدد تحت المذبح. اطفال ايمان صاروا فوق عند من يدعو الاطفال ليأتوا اليه.
الشهادة مع المسيح انتصار. فجأة تهتز الصورة. تتعرّق الايدي المتكئة الى الذكرى. ينطّ وزير سابق مغوار من "ابطال" الزمن الغابر، وبصوت استعار حزمه من قوى الاحتلال، ويعلن ذاك ال 23 اذار عام 1994 حلّ حزب القوات اللبنانية.
ألبسونا يومذاك دم العار تحت الصليب مباشرة وعلى مرأى السيد المسيح، والقاتل يتنزّه بيننا ويتبوأ المراكز الوزارية والنيابية مكافأة له لانه سمع كلمة ابيه.
يومذاك تصلّبنا امام شاشة الـ "ال بي سي" نراقب وجه ميشال سماحه السمح وهو يتلو القرار بنهم وكأنه يرتشف كأس نبيذ.
يومذاك دخلت لغة جديدة الى قاموس مشاعري، لغة غريبة ومضطهدة في أبجدية المسيحية وهي لغة الحقد !!!
كنت يافعة.
يومذاك كنت بريئة في السياسة وفي الحياة، ولم اكن لاظن أو أتوقع اني سأعيش لحظات رهيبة مماثلة. ظننت ان الارض وقعت وانتهى دورانها حول الشمس وتوقف القمر عند المقلب الاخر من الدنيا. كل شيء توقف هناك لحظة ذاك الاعلان الرهيب.
كنت غبية.
الان وبعدما قسي عودي، ايضا لم اكن لاتوقع اني ساعيش لحظات مناقضة مماثلة بعد مرور 14 عاما.
الان انا اشفق على سماحه بعدما صار ما صار عليه. وأشفق وأحترم في ان واحد، حقدي "الصغير" الذي من جهة، كاد ان ينسيني قضيتي الاساسية، انسانيتي، ومن جهة ثانية أدخلني نادي الثوار.
حقد تلك الايام وضعني على طريق الثورة. فتحت "فرعا" لثورة على حسابي وعلى مقياسي. فتحت قواتا على حسابي من دون رخصة ومن دون جميل سماحه ولا سواه، وأطلقت عليها اسم "ارزة جونيور"، تيمنا باسمي ومشيت…
وما زلت امشي وهم كذلك…….
أمسح يدي على حائط كنيسة سيدة النجاة، وأفتح عيني واصرخ: كي لا تتكرر الصورة اهرعوا الى الانتخابات.
لا تتذمروا. هذه المرة فقط لا تتذمروا. لا يمثل الجميع طموحاتنا، لسنا راضين عن الجميع. لكنهم يمثلون المشروع. لا تجاملوا. لا تغامروا بالتشطيب. كونوا عنصريين. كونوا عنصريين، تعصّبوا. تذكروا سيدة النجاة وداني شمعون وحرب الالغاء وجبران التويني وبيار الجميل… بكل ما اوتيتم من تعّصب، تعصّبوا للائحة. هذه المرة التعصب "والعنصرية" واجب.
لا تفجروا كنيسة سيدة النجاة مرة ثانية، لا تسمحوا لـ 23 اذار 1994 ان يأتي مرة ثانية. لا تعزموا القاتل الى وليمة اخرى فما زال يحب اللحم الحي.