#adsense

“هداية” في لحظة وداع !

حجم الخط

"هداية" في لحظة وداع !

بصرف النظر عن الجوانب الاستعراضية والشعبوية وحتى "الفولكلورية" التي رافقت مناقشة مجلس النواب لقضايا تستلزم تعديلات دستورية في جلسته الاسبوع الماضي، ثمة بُعد ايجابي جداً لا يمكن التنكّر له في هذه الجلسة يتمثل في اطلالة نادرة لهذا المجلس بالذات على تطور كان بمثابة "فزاعة" وثبت انه "وظيفة" طبيعية لأم المؤسسات التي كادت ان تنسى يوماً انها كذلك.

هذا المجلس الذي ضرب رقماً قياسياً في تعطيل العمل الاشتراعي والمحاسبة البرلمانية والديموقراطية، وهي نقطة سوداء قاتمة في سجله يتعين الا تغيب اطلاقاً عن اذهان الناخبين بعد شهرين، اقدم في الهزيع الاخير من ولايته، وهو في طور الوداع بين تغيير ولا تغيير وعند الحدود ما قبل النهائية من مرحلة تجديد التفويض ومدّه المفترض بدماء جديدة، على ما يمكن ان يعيد الاعتبار الى ذلك المنسي الكبير المسمى اتفاق الطائف وآلياته التي حجّر على معظمها وجمدت وعطّلت او ذهبت في غير اتجاهها الدستوري.

لمجرد طرح قضايا تحتاج الى تعديلات دستورية واتباع الاصول في ادراجها على جدول الاعمال وطرحها على المناقشة والتصويت عليها ايجاباً او سلباً، اعاد المجلس اللعبة الى محرابها الطبيعي الديموقراطي، فلم تقم قيامة على اسقاط اقتراح ولا على اقرار آخر، ولا اشتعلت ثورة رفض من هنا ولا قام انقلاب من هناك.

تدفق الكثير من المداهنة الانتخابية في ذلك "الاجماع" النادر على خفض سن الاقتراع الى 18 سنة، مع ان هذا الحق البديهي الذي يعود الى الشباب يوجب استباقه برزمة اصلاحية جذرية تضرب اولاً الوسط السياسي والفكر السياسي الذي يستولد اجيالاً طائفية ومذهبية ومتطرفة هي اشد خطراً على مستقبل العمل السياسي والوطني من اصحاب الفضل العميم في "رشوة" المواطنين عشية استحقاق انتخابي باعطاء وعد بخفض سن الاقتراع. ومع ذلك كانت صورة هذا "الاجماع" محببة لانها دخلت البيت من بابه العريض، عبر الاصول التي غدت سحابة سنتين من مرحلة تعطيل المؤسسات وتحوّل وسط بيروت مخيماً لأزمة قبعت على صدور الناس، ذروة احلام الديموقراطيين.

وفي الاتجاه المعاكس لهذا الاجماع فوجئ كثيرون باسقاط اقتراح تعديل دستوري لتحصين مادة ميثاقية دستورية تتصل برفض التوطين علّ هذا التعديل يزيل "شماعة" المزايدات الصاعدة والهابطة بوتيرة مملّة مكشوفة يُراد لها توظيف كل المآرب والاهداف السخيفة الا منع التوطين نفسه. ومع ان موظفي المزايدات انفسهم اسقطوا التعديل، فينبغي التهليل لهم والترحيب بهم مجدداً في عودة الابن الضال الى البيت البرلماني حيث يمكنه ان يحكم سياساته ويستعمل حقه الدستوري في الرفض والقبول، وحيث يجب التسليم بأحقية اي اتجاه معبّر عنه بأصول نص عليها الدستور.

كان بُعداً جميلاً ووجدانياً ان يسبغ الرئيس نبيه بري على تلك الجلسة البعد التوحيدي للبنانيين في شهر آذار الانقسامي. لكن الاهم في البعد السياسي والدستوري ان تلك "الهدية" شكلت استفاقة الهداية البرلمانية الى الاصول. فحتى تعديل الدستور مفتوح ومباح اذا حلّت "الهداية" الديموقراطية، وهذا اهم بكثير لذوي سن الـ 18 او سن الـ 80 سواء بسواء.

المصدر:
النهار

خبر عاجل