بينَ تحرّكه الخارجي استعادةً لمكانة لبنان وتأكيداً لدوره ومواقفه من أجل قيام الدولة والإصلاح السياسي
سليمان يذخّر "الكتلة الوسطية" بـ"مشروع شهابي"
في الفترة القريبة الماضية، تراجع ـ نسبياً ـ الكلام عن "الكتلة الوسطية" أو "المستقلة". غير أن الملاحظ هو أن "مضامين" هذه الكتلة و"أبعادها" إكتسبت في الفترة نفسها مزيداً من "التحديد". ولا شك أن مرجعيات ذلك التحديد، جاءت من رئيس الجمهورية ميشال سليمان سواءٌ في حركته أو في مواقفه. وذلك ليس لأن الرئيس سليمان في صدد تشكيل لوائح إنتخابية في هذا القضاء أو ذاك، ولا لأنه "يطمح" إلى أن تكون له كتلة نيابية في المجلس الجديد، بل لأنه يقدّم في حركته ومواقفه على حدٍّ سواء معنىً محدداً ودقيقاً لـ"الإستقلالية" عن الإستقطاب في البلاد بين حركة 14 آذار وفريق 8 آذار، ومعنىً واضحاً لكيف يكون الرئيس المنتخب توافقياً، غير منحاز لأيّ من الفريقين، لكنه منحاز إلى مفاهيم وعناوين رئيسية في الوقت نفسه.
دفعٌ قوي لسياسة خارجية مستقلة
خلال الشهور المنصرمة من ولايته، قام سليمان بتحرك خارجي مكثّف. وإذا كان من نافل القول إن هذا التحرك جرى وضعُه في خانة إعادة لبنان إلى الخارطة الإقليمية ـ الدولية، فإن ذلك على أهميّته الكبرى لم يكن الأهم، حيث إن الرئيس، عبر هذا التحرك، وجّه رسائل سياسية ـ إستراتيجية.
أكد أن لبنان ـ الدولة منفتحٌ على "الخارج" كله ويقيم مع دوله علاقات متوازنة نقطة إنطلاقها المصلحة اللبنانية. وأكد أن لبنان ـ الدولة ليس ضمن أي محور من المحاور المتصارعة. وأن لبنان ليس فقط عضواً مؤسساً في المجتمع الدولي لكنه يحترم إلتزاماته في إطار الشرعية الدولية. وأن لبنان العضو المؤسس في جامعة الدول العربية، هو عضو "مهم" في النظام العربي، "نظام المصلحة العربية"، دوره المساعدة على تشكيل "محصّلة" الموقف العربي ثم الإلتزام بهذه "المحصّلة" ومواكبتها. وفي هذا السياق كان أداؤه عندما شارك في "لقاء الدوحة" ثم في قمة الكويت، حيث عبّر عن موقف "واحد" في المناسبتَين: التمسك بالإستراتيجية العربية الموحّدة المتمثلة بمبادرة السلام والتشديد على المصالحة العربية في إطار هذه الاستراتيجية الموحّدة. وينبغي ألا يفوت أحداً أن الرئيس سليمان يعمل ـ من ضمن مبادرة أطلقها ـ لجعل لبنان مركزاً لحوار الحضارات.
بكلام آخر، أعطى رئيس الجمهورية في الشهور المنصرمة دفعاً قوياً لسياسة لبنانية خارجية مستقلة. وهي سياسة لا يخفى على الرئيس أنها تترجم "معنى الكيان" من ناحية، وأنها "مكوّن" أساسي من مكوّنات حماية الكيان من ناحية أخرى. أي سياسة خارجية مستقلة تعكس الداخل ـ كما يُفترض أن يكون ـ وتعزّزه في آن.
حاجات الدولة في الخارج وتأكيد أولويّتها داخلياً
إن ما تقدّم يتّصل بالتحرك الخارجي، ويسلّط الضوء على الأبعاد التي أراد الرئيس ترسيخها في هذا المجال.
بيدّ أن ثمة "صورة" مكمّلة حرص سليمان عليها تزامناً. وذلك ما عبّرت عنه المواقف أيضاً.
فقد حمل الرئيس لواء "الدولة".. لواء "مشروع الدولة". ليس فقط من زاوية الحصول على الدعم الخارجي لاستقلال لبنان ولبناء دولته أو من زاوية حمل حاجات لبنان ـ الدولة إلى الخارج، بل أساساً من زاوية تشديده بدأب على أن الدولة هي الأمن الشرعي، وأنها الجيش، وأنها الاقتصاد، وأنها الإنماء.. وأنها المؤسسات.
"7 أيار" لا يتكرّر بوجود رئيس
ولكم يبدو ميشال سليمان "معبّراً" عندما يُبدي إطمئنانه حيال أمن الإنتخابات النيابية المقبلة، وعندما يتصرف مطمئناً اللبنانيين معتبراً الإنتخابات "مناسبة فرح". فهو، على نحو غير مباشر، يبدو جازماً بأن "7 أيار" لن يتكرّر بـ"مناسبة" الإنتخابات. "لكأنه" يقول للبنانيين إن واحداً رئيسياً من أسباب "7 أيار" كان الفراغ في رئاسة الجمهورية، أي غياب المؤسسات، وإن "7 أيار" غير قابل للتكرار لأن في البلد رئيساً للجمهورية ومؤسسات "قائمة".
إذاً، بين التحرك الخارجي ومراميه من جهة والمواقف التي يُطلقها في الداخل من جهة ثانية، المشترك هو لبنان ـ الدولة أو دولة لبنان، ما ينفعها وما يحميها.
حديث "الإصلاح السياسي"
على أن الرئيس، بادر قبل بضعة أيام، إلى طرح عنوان "الإصلاح" السياسي. وكان ذلك في معرض إشادته بإجماع المجلس النيابي على تعديل دستوري يخفّض سن الإقتراع إلى ثمانية عشر عاماً.. إعتباراً من العام المقبل 2010 في الانتخابات البلدية.
لكن "النفَس" الإصلاحي لم يظهر عند الرئيس "فجأة" وبمناسبة خفض سن الإقتراع. فهو رفعَ في خطاب القسم الرئاسي شعار "الدولة المدنية"، حيث إن هذا الشعار يشكّل العنوان الإصلاحي الأبرز والأهم. وكان دقيقاً في عدم الفصل بين "الإصلاح" وبين "الميثاق" مجسّداً في إتفاق الطائف. أي أن دعوته الإصلاحية هي بمثابة تحوّلات تراكمية من ضمن الطائف الذي يتضمن هو نفسه آفاق التطوّر الإصلاحي المنشود.
العام الأول من الولاية: ملامح "شهابية جديدة"
خلاصةُ القول في هذا المجال إن الرئيس سليمان، في الفترة الانتقالية بين "تسوية الدوحة" في أيار الماضي والانتخابات النيابية في حزيران المقبل، أي في السنة الأولى الإنتقالية من ولايته، أوضح أن لديه مشروعاً عماده الدولة أولاً، وإصلاحٌ سياسي وتحديثٌ ثانيا،ً وسياسةٌ خارجية مستقلة تترجم دور لبنان وتحمي صيغته ثالثاً. وكثيرون في هذه الأيام، يقرأون في حركة سليمان ومواقفه مشروع "شهابية جديدة". أي دولة + إصلاح + سياسة عربية متوازنة. "شهابية" نصف قرن ما بعد "الشهابية الأولى".
مرجعية لـ"وسطية اقتحامية"
وبالعودة إلى "الكتلة الوسطية" أو "المستقلة"، يمكن القول إن في وسعها، مع الترشيحات للإنتخابات ثم بعد النتائج وما يمكن أن تفرزه من حجم نيابي، الإسترشاد بـ"مشروع الرئيس"، أي إعتبار ما يطرحه مرجعية لها.
وعلى هذا الأساس، يمكن ببساطة القول إن توافقية الرئيس لم تجعل منه "حكَم مباريات" بين فريقَين، ولم تقيّد تعبيره عن "نفسه" وعن "مشروعه". وإن "توافقيته" هي "لحظة" إنتخابه من قبل الفريقَين أو الأفرقاء، لكنه بعد هذه "اللحظة" صاحب رؤية يتطلّع إلى أن يلعب دوره الدستوري بناء عليها وإنطلاقاً منها. وهي رؤية يتبيّن مما هو معلنٌ منها أنها "تستحق" أن يسعى في سبيلها. وفي الأصل، كانت "الشهابية الأولى" صفحة بيضاء في تاريخ لبنان الحديث، في الجوانب المنوّه عنها آنفاً. وببساطة أيضاً، لا مفرّ من القول إن العناوين الآنفة تشكّل نموذجاً لـ"وسطية" أو "إستقلال"… خلافاً لما يدّعيه البعض من أن "الوسطية" عبارة عن تكتّل "لا لون له ولا طعم". كما ببساطة، لا بد من تشجيع "كتلة وسطية مستقلة" تسترشد بمشروع الرئيس وتدعمه.
في خضم الأحداث والتوترات التي يمر بها لبنان، "يكاد" الرئيس في حركته ومواقفه "لا يُرى". لكنه يحفر الصخر بإبرة ليكون لمشروع الدولة والإصلاح والسياسة الخارجية المستقلة "مكانه" بين اللبنانيين.