هل يجمع شهر حزيران ما فرّقه شهر آذار؟
نجاح الحوارات يجعل أي أكثرية للرئيس سليمان
ما دام لبنان ساحة تنعكس عليها التطورات الخارجية سلباً او ايجاباً، فإن ثمة من يعتقد بأن المصالحات العربية والتقارب الاميركي مع سوريا وايران اذا ما تحققا قد ينعكسان ايجاباً على هذه الساحة بحيث تجرى الانتخابات النيابية المقبلة في اجواء هادئة، حتى لو لم تتغير التحالفات وتختلط الاوراق قبل الانتخابات، اذ قد يتم ذلك بعدها فيكون شهر حزيران قد جمع ما فرّقه شهر آذار، ولا تعود الاكثرية، اياً كان الفائز فيها، اكثرية مع طرف بل اكثرية تقف مع الرئيس ميشال سليمان، مع رئيس واحد لدولة واحدة، ولا يعود الامر يقتصر على "كتلة وسطية" او مستقلة تقف مع الرئيس لتوازن بين الموالاة والمعارضة.
فكما صار اجماع على انتخاب العماد سليمان رئيساً للجمهورية بموافقة عربية واقليمية ودولية، فإن هذا الاجماع الخارجي سوف ينسحب على الداخل بحيث يكون شبه اجماع على انتخاب رئيس مقبل لمجلس النواب وشبه اجماع على تسمية رئيس الحكومة المقبل، وقد تكون هذه النظرة التفاؤلية هي التي جعلت الرئيس بري يؤكد مراراً ان حكومة وحدة وطنية هي التي ستتألف بعد الانتخابات لان لبنان لا يمكن ان يحكم من فريق واحد وهو بالتالي محكوم بالتوافق. وتأليف مثل هذه الحكومة هو الذي يحقق شعار "لا غالب ولا مغلوب" فعلاً لا قولاً وهو شعار كان دوماً الطريق الصحيح والسليم نحو الاستقرار السياسي والامني والاقتصادي والاجتماعي.
واذا كان ثمة من يطرح سؤالاً حول ما يمكن ان يجمع بين وزراء حكومة الوحدة الوطنية، واية مبادئ وقواسم مشتركة تعزز الانسجام والتضامن فيما بينهم، فالجواب على ذلك هو في ان انعكاس المصالحات العربية والتقارب الاميركي مع سوريا وايران اذا ما تحققا هو الذي يجمع وزراء حكومة الوحدة الوطنية حول قواسم مشتركة فلا يعود ثمة خلاف بين اللبنانيين حول لبنان المستقبل ولا حول اي لبنان نريد ولا حول الخط السياسي الذي ينبغي انتهاجه، اذ ان هذا الخط يصبح واحداً تقريباً في عناوينه الكبرى، والرؤية المشتركة. فخلاف اللبنانيين وانقسامهم كان دائماً انعكاساً لخلافات عربية وتجاذبات دولية على ساحتهم. واذا كان تنفيذ القرار 1701 ولا سيما لجهة ضبط الحدود بين لبنان وسوريا ومنع تهريب الاسلحة، وترسيم الحدود بدءاً بمزارع شبعا وازالة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وضبطه في داخلها، هو الذي يثير الخلاف بين اللبنانيين وبينهم وبين سوريا واسرائيل ولا سيما الخلاف حول سلاح "حزب الله"، فإن المصالحات العربية والتقارب الاميركي السوري الايراني كفيلان بتسوية الخلافات حول كل هذه المواضيع. واذا تحقق لسنة 2009 ان تكون سنة السلام الشامل والعادل في المنطقة، فإنها تكون ايضاً مفتاح الحل لكل المشكلات في لبنان والمنطقة، اذ بتحقيقه لا يعود ترسيم الحدود مشكلة ولا وجود السلاح خارج الشرعية مشكلة يستعصي حلها، فتنصرف عندئذ كل الدول للاهتمام بمعالجة الازمة المالية العالمية التي قد تستمر تداعياتها على المدى القريب، او البعيد، ولا يعود السباق بين الدول على التسلح وانفاق المليارات في سبيله، انما يصبح السباق خلال السنوات العشر المقبلة على تنفيذ المشاريع الانمائية ورفع مستوى المعيشة وتحقيق العدالة الاجتماعية لجميع شعوب العالم بحيث لا يبقى من هو تحت خط الفقر او حتى من يعاني من الفقر عندما توزع الثروات بعدالة على الناس كي لا يبقى بينهم محتاج. وليس سوى هذه السياسة الانمائية ما يحقق المكافحة الفعلية والعملية للارهاب ولأعمال العنف، فبدل ان تنفق الاموال على التسلح استعداداً للحروب، فإنها تنفق على الانماء لتحقيق الرخاء والازدهار استعداداً لاستقبال زمن السلام.
لقد اعتمدت ادارة الرئيس بوش سياسة الحرب الاستباقية وسياسة العزل والحصار والعقوبات فازداد اعداء الولايات المتحدة الاميركية في العالم حتى بين حلفائها، وتفاقمت موجة الارهاب واعمال العنف التي ثبت ان ليس في مقدور اي جيش نظامي، مهما كان قوياً ومزوداً أسلحة متطورة وقف هذه الاعمال او مكافحتها. لذا، يأمل الكثيرون في ان تعتمد ادارة الرئيس اوباما الجديدة سياسة مختلفة، سياسة الحوار والتقارب وحل المشكلات في العالم بالتوافق والتراضي كي يعم السلام العالم ويعيش الانسان فيه بأمن وامان ورخاء. لكن اي سلام لا يدوم ان لم يكن مقترناً ببرنامج تنمية اقتصادي وانساني يعالج اسباب الفقر المدقع، ويحقق الاصلاحات ويؤمن حقوق الانسان، لانه اذا لم يوضع مثل هذا البرنامج ويصير التزام تنفيذه، فإن الشعوب التي تعيش في حالة فقر مدقع وعوز شديد، هي التي تبقى موضوع استغلال لأحوالها الاجتماعية البائسة وتحويل مجموعات فيها الى ارهابيين وتكليفها القيام بأعمال عنف وتخريب وتدمير لقاء مبالغ زهيدة من المال لو صار توفيرها لهذه المجموعة لما كانت تقدم على ذلك انتقاماً لبؤسها ولأن ليس لديها ما تخسره عندما تقوم بذلك.
الواقع، ان كل شعوب العالم تواقة الى صنع السلام وليس الى صنع الحروب او العيش في العنف والمعاناة، وقد تكون القيادة الاميركية الجديدة هي من يحقق لها السلام والرفاهية والازدهار والعيش بأمن وامان، وتكون فرصة تاريخية لها، عسى الا تفوّتها كما فعلت ادارات اميركية سابقة. فهل يتحقق هذا الحلم، ام تستمر الخلافات والنزاعات بين شعوب العالم وتستمر معها الحروب؟