الخطوات العملية تواجه عقبتي الحكومة الإسرائيلية والمصالحة الفلسطينية
انعكاسات مريحة في المنطقة لالتزام أوباما تعهّداته حيالها
إحدى ابرز الايجابيات التي سجلها الرئيس الاميركي باراك اوباما في المبادرة التي اطلقها في اتجاه ايران والدعوة الى فتح صفحة جديدة معها تتمثل بحسب مراقبين ديبلوماسيين في بيروت في انه انهى الشهر الثاني على تسلمه الحكم في الولايات المتحدة الاميركية في 20 كانون الثاني المنصرم باكمال دورة الانفتاح المبدئي على اهم المسائل الشائكة والمعقدة في الشرق الاوسط. وهذه الدورة بدأت في الاسبوع الاول من وصوله الى البيت الابيض مع تعيين السيناتور جورج ميتشل مبعوثا خاصا لادارته في الشرق الاوسط وايفاده لاستطلاع الاوضاع على الارض قبل ان تزور وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون المنطقة وتشارك في مؤتمر اعمار غزة في شرم الشيخ ثم مع ايفاد ديبلوماسيين اميركيين رفيعي المستوى الى العاصمة السورية لاستطلاع امكانات الانفتاح بين واشنطن ودمشق قبل ان يوجّه رسالته الاخيرة الى ايران في عيد النوروز قبل ثلاثة ايام. وهناك ايضا مسائل اخرى اطل عليها الرئيس الاميركي، يتعلق الاساسي منها بالازمة المالية في الولايات المتحدة، ثم باطلالته على الوضع في كل من العراق وافغانستان . لكن ما يعني دول المنطقة في شكل رئيسي، ايلاء أوباما الوضع المتأزم في المنطقة اولوية على المسائل الاخرى، ولو انه دفع الى ذلك تحت وطأة الحرب الاسرائيلية على غزة التي استبقت تسلمه السلطة في اميركا. لكنه عبر هذه المؤشرات جميعها التزم ما وعد به من انه سيعمل منذ اليوم الاول على مقاربات جديدة في السياسة الخارجية الاميركية، وهو الامر الذي ترك حتى الآن انطباعات مريحة ومشجعة حتى لدى خصوم الولايات المتحدة ظاهريا، او من حيث المبدأ، على ما كان رد الفعل الذي ابداه رئيس المكتب السياسي لحركة " حماس" في دمشق خالد مشعل الذي اشاد بلهجة اوباما، معتبرا ان حوار واشنطن مع الحركة "بات مسألة وقت".
ولكن في ضوء هذه المؤشرات جميعها بات الرئيس الاميركي ملزما معنويا ان يقدم خطوات اكثر عملانية نحو التزام واشنطن المساعدة في ايجاد حلول في المنطقة. وتقول مصادر معنية ان الادارة الاميركية معنية في شكل اساسي بتقديم رؤية لها حول مفهومها لحل الدولتين الفلسطينية والاسرائيلية في المدى القريب، علما انها تصطدم راهنا بعقبتين احداهما تتمثل بالعقبات امام تشكيل حكومة اسرائيلية مقبولة وقابلة للحوار برئاسة نتنياهو. ولذلك تستمر المراوحة في ضوء ضغوط تمارس على هذا الاخير من اجل تأليف حكومة مع تسيبي ليفني، تكون مؤهلة لاجراء محادثات سلام مع جيرانها وعدم الاكتفاء بحكومة من اليمين المتطرف الذي لن يسهل على الاميركيين مهمتهم في هذا الاطار، خصوصا ان هذا اليمين غير مهتم بالمسار الفلسطيني ويفضل انجاز شيء ما على المسار السوري وحده. اما العقبة الاخرى التي يبذل جهد قوي لمعالجتها فهي المصالحة الفلسطينية الفلسطينية وادراج حركة "حماس" من ضمن الآلية الدستورية للسلطة الفلسطينية، وهو امر تتولاه حتى الآن مصر بالاصالة عن نفسها وعن الدول العربية المعنية وبالنيابة عن الاميركيين ايضا الذين لا يقيمون حوارا حتى الان مع الحركة . فالاميركيون معنيون بان تشكل السلطة في الاراضي الفلسطينية المحتلة ككل محاورا فلسطينيا معتمدا من السلطة التي في يد محمود عباس ومن حركة "حماس" وفق مقولة المبدأ نفسه المعتمد مع "حزب الله" في لبنان بما يتيح ان يتقدم ميتشل بخطة لإعادة التفاوض بين الجانبين الاسرائيلي والفلسطيني من جهة كما يتيح للدول المهتمة استكمال ما تطمح اليه هذه الدول من خلال الذهاب الى مؤتمر للسلام مكمل لمؤتمر انابوليس الذي دعت اليه الديبلوماسية الاميركية في تشرين الثاني 2007 على طريق التفات ادارة الرئيس جورج بوش الى الوضع المعقد في المنطقة ومحاولة اظهار جدية في التعامل مع الازمات التي تفاقمت جدا في الاعوام الاخيرة.
وبحسب هذه المصادر فان ادارة اوباما ملزمة الذهاب قدما في هذا الاتجاه من اجل اعادة تظهير استراتيجية اميركية شاملة حول دور اميركي اساسي يرتكز على الاعتماد على قوة الرئاسة الاميركية وهيبتها بعد ما واجهته هذه الرئاسة في عهد الرئيس السابق. اذ ان ادارة اوباما لا يمكن ان تهدر دور ميتشل والعمل الذي قام به على غرار ما فعلت ادارة سلفه عام 2001، اي في بداية عهد بوش، خصوصا ان اللجنة التي ترأسها ميتشل كلفت في اواخر عهد الرئيس بيل كلينتون في تشرين الاول 2000 البحث عن اسباب عودة العنف بين اسرائيل والفلسطينيين وما يمكن القيام به لتجنب العودة الى ذلك مجددا. فانتهت اللجنة الى وضع توصيات لم تجد سبيلا لتبنيها ودعمها في ضوء معارضة مكتب نائب الرئيس الاميركي انذاك ديك تشيني لذلك، مما جمد المضي بها قدما من الديبلوماسية الاميركية برئاسة كولن باول .
والالتزام الاهم على عاتق ادارة اوباما للمضي قدما نحو ما هو ابعد من المؤشرات الطيبة، هو حاجته شخصيا الى استعادة هيبة الرئاسة الاميركية وهيبة اميركا في المنطقة وما يثبت عزمه وقدرته على المتابعة، فضلا عن تعويل دولي اذا صح التعبير يعبر عنه الاوروبيون اكثر من غيرهم، باعتبار ان اي مبادرة من جانبهم افتقدت الى الخلفية الاميركية التي لم تقدمها ادارة بوش على صعيد المنطقة، كما بالنسبة الى الموضوع الايراني حتى لو ساهمت واشنطن عبر حلفائها الاوروبيين في اداء ادوار في مراحل مختلفة على صعيد هذه الملفات. الا ان المساهمة الاميركية الفاعلة كانت مفقودة، والجميع الان بات في انتظار الخطوات التالية التي وعد بها.