كيف يُحمى لبنان من التحوّلات الاقليمية؟
بعد عودته من حفل تنصيب الرئيس الاميركي الجديد باراك أوباما، كشف مسؤول كبير في وسيلة اعلامية فضائية امام اصدقاء له، وكنت من ضمنهم، ان سياسة الرئيس أوباما تجاه ايران وسوريا وفيتنام الشمالية، وغيرها من الدول التي تنازع الولايات المتحدة على عدد من القضايا، ستكون مشابهة للسياسة التي انتهجها الرئيس جورج بوش، اي سياسة العصا والجزرة، مع فارق اساسي ان سياسة بوش كانت تعتمد على جزرة صغيرة وعصا صغيرة، في حين ان فريق عمل اوباما يركّز سياسة الولايات المتحدة المقبلة، على جزرة كبيرة، وفي حال فشل مفعول هذه الجزرة ستلجأ الادارة الى اعتماد العصا الكبيرة والغليظة.
تذكّرت هذه المعادلة وانا اتابع خطوات اوباما الانفتاحية، والتي توّجت بالكلمة التي وجهّها مباشرة الى مرشد الدولة الاسلامية الايرانية خامنئي والى الشعب الايراني ودعا فيها الى فتح صفحة جديدة من العلاقات بين الولايات المتحدة وايران ونسيان الماضي، بشرط توقف ايران عن دعم الارهاب والمنظمات الارهابية، وبوقف سعيها لامتلاك القوة النووية التي تسمح لها باقتناء السلاح النووي.
خامنئي والحكومة الايرانية، رحّبا بتحفظ، لان الجزرة الكبيرة المتمثلة بفتح صفحة جديدة ونسيان الماضي، متصلّة بالعصا الكبيرة ان استمرت ايران بدعم «حماس» و«حزب الله» اللذين تعتبرهما واشنطن من المنظمات الارهابية، او تابعت برنامجها النووي الذي تعتبره اسرائيل تهديداً مباشراً لوجودها، والولايات المتحدة الاميركية الملتزمة أمن اسرائيل ووجودها لن تسمح بأي تهديد لهما، كائنا من كانت الجهة المهددة، ولذلك فإن من اعتبر ان سياسة الرئيس أوباما هي سياسة «حكيمة وشجاعة» ينطلق ربما من اقتناع ان ايران وسوريا والدول الاخرى، ستطوّع السياسة الاميركية لمصالحها، خصوصاً ان الولايات المتحدة الاميركية تواجه ازمة مالية واقتصادية كبيرة تنعكس ايضاً على حليفاتها في اوروبا، بحيث تحول دون امكانية لجوئها الى حافة الهاوية عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، في حين ان خبراء في السياسة الاميركية لا يستبعدون ان تلجأ الولايات المتحدة الى اقتصاد الحرب – وهي سياسة كانت تلجأ اليها مع كل بداية ركود، اضافة الى الضغوطات الاسرائيلية التي لا يمكن لاي ادارة اميركية ان تتحرر منها، ولذلك فان عدم قبول هذه الدول بالجزرة الكبيرة التي تنوي واشنطن تقديمها في مجالات الانفتاح والاستثمار، ورفع العقوبات، والاعتراف بمصالحها، لن ينقذها من العصا الكبيرة، ولذلك يعتبر المحللون السياسيون والاستراتيجيون ان حلفاء ايران وسوريا في الدول العربية، وخصوصاً في لبنان وفلسطين، هم الاكثر قلقاً من ان تذهب الامور الى توافق مع واشنطن، قد يكون في النتيجة على حسابهم.
***
امام هذا الواقع من التجاذب الاقليمي – الدولي، الذي لم تظهر صورته الحقيقية بعد، لن يكون لبنان بمنأى عن تداعيات هذا التجاذب، بصرف النظر اذا كانت نتائجه ايجابية او سلبية، ولذلك فإن هناك مسؤولية كبيرة تقع على كاهل القيادات السياسية هدفها تحصين لبنان وحمايته، وهذا الهدف لا يمكن ان يتم او ان ينجح الا بالتخلّي عن الطموحات الشخصية، والحسابات السياسية او الطائفية الخاصة، والضيّقة، ووضع كامل الثقة والامكانات والجهود، بتصرّف رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان الذي اثبت عملياً انه فوق الخصومات والتجاذبات والمحاور، وان همّه اولاً واخيراً السعي والتفتيش، في الداخل والخارج، كيف يمكن تقوية مناعة لبنان، بتقوية الجيش والقوى المسلّحة الاخرى، وبتقوية الدولة التي يثق بها الكل، وبإشاعة مناخات من الهدوء والتقارب بين مختلف الافرقاء والطوائف، وبتنفيذ الاصلاحات التي تبعد اللبنانيين، وفي شكل خاص الشباب، عن الاصطفافات الطائفية والمذهبية، واذا كان رئيس الجمهورية بعد دستور الطائف لا يستطيع ان يفعل ما يشاء، فان اعلان الثقة به من قبل الكل، يعطيه القدرة المسؤولة على انتقاء الافضل في الادارة والقضاء، وضخّ الروح الوطنية في عمل المؤسسات العامة المصابة بداء المحسوبية والمذهبية والرشوة، والرئيس سليمان في هذه الفترة القصيرة من عهده، اثبت بالفعل لا بالقول، انه اهل لهذا الحمل الوطني المرهق، والذي سيستفيد من نتائجه الايجابية كل اللبنانيين، اما اذا استمر كل فريق بوضع الحدود والخطوط الحمر بوجه الفريق الآخر، واذا كان البعض يرفض منذ اليوم ما سوف تفرزه نتائج الانتخابات العامة في حزيران المقبل، فان بناء لبنان المستقبل لن يكون على صخر الوحدة الوطنية بل على رمل الانقسامات الحادة، واي عاصفة داخلية او خارجية ستكون كفيلة بزعزعة اسسه، وتقويض ما بنته الجهود المخلصة لرجالات من لبنان، مثل الرئيس سليمان، ومن سبقه من الرؤساء والقيادات والمسؤولين، الذين ما زلنا ننعم حتى اليوم بما بنوا وانشأوا.