أمن!
قبل التحقيق ومشتقاته يا إخوان، يمكن وضع جريمة اغتيال كمال مدحت في سياق الصورة الأوسع للبلد في الإجمال. صورة الأمن المضروب والمنخور والممسوك رهينة في يد كل من أراد بنا شراً، وكل من يفترض أننا صندوق بريد لم نزل، وأننا الساعي الصالح لإيصال رسالته الى هدفها أياً كانت جهة ذلك الهدف.
لا جديد في الاستنتاج أن لبنان بأمه وأبيه لا يزال مشروع دولة غير مكتمل. كل تفصيل فيها خاضع ويخضع لمفهوم النسبية، وخاضع ويخضع للمعطيات الناقصة، بحيث أن لدينا جيشاً وطنياً جامعاً لكنه ليس وحده على الأرض. ولدينا قوى أمنية رسمية متعددة بحكم تعدد أدوارها ومهامها لكنها ليست وحدها من "يمسك" الأرض، ولدينا قضاء لكنه ليس وحده الديّان، ولدينا محاكم لكنها ليست وحدها من يحاكم(؟) ولدينا مؤسسات دستورية لكنها تمشي ولا تصل. وهناك ألف علّة ومطبّ يمنعها من ذلك. أول تلك العلل والمطبات خضوعها لمنطق التسوية في غير موضعها وأوانها. بحيث أن "فيتو" واحد من أي مكوّن مذهبي أو طائفي أو حزبي، يمكن أن يعطّل أي مؤسسة ويعلّقها وينشرها على حبل في هواء المصالح المتنافرة أو المتآلفة لا فرق.
غير أن أخطر نواقصنا وأفضح فضائحنا يبقى الأمن، وتُغني الصورة في شكلها عن أي بيان. إذ فيما كان وزراء الداخلية العرب يودّعون بيروت بعد يومين من اجتماعاتهم الدورية فيها، جاء إنفجار المية ومية واغتيال كمال مدحت… في اللحظة نفسها!
وكي لا يُفهم المعروض سلفاً، أنه تعريض بأي مؤسسة أمنية رسمية، ينبغي إكمال القصيدة بطريقة مفهومة لا لبس فيها. إذ أن الأمن بالمطلق هو صنوٌ لدولة قائمة ومكتملة البنيان. وهذه لا تقوم، إلا بامتلاكها قرارها من دون شريك محلي أو خارجي، ومن دون منافس، أياً كانت طبيعته، وطالما أن ذلك غير متوفر حتى إشعار آخر، أي حتى وصول أهل الممانعة الى المنصة المشتركة التي يقف عليها سائر خلق الله من اللبنانيين، فإن الازدواجية الأمنية والعسكرية ستبقى السبب الأول لانعدام وزن الدولة وسلطتها.
وأهل الممانعة (بالمناسبة) أصناف. صنف منهم هو ذاك الذي يفترض أن القواعد المسلحة في قوسايا والناعمة وغيرهما يمكن لها أن تستمر حتى قيام الساعة… وهذه رغم غرابتها تبقى تفصيلاً صغيراً إذا ما قورنت بمسألة السلاح الفلسطيني داخل المخيمات.
قبل هذا وذاك، يفترض كثيرون، أن سلطة الوصاية بعد اتفاق الطائف تقصّدت إبقاء الدولة اللبنانية عرجاء في موضوعي الأمن والسلاح. ووضعت ذلك في سياق حسابات بعيدة المدى. بعضها يتصل بتجميع أوراق لطرحها في المفاوضات، من بينها السلاح الفلسطيني داخل المخيمات الذي ربطته بقصة التوطين، والسلاح المنشور بين قوسايا والناعمة، وقد ربطته أخيراً بقصة الحقوق المدنية لأهل تلك المخيمات.
طبعاً النتيجة الوحيدة الواضحة حتى الآن لتلك الحسابات "الاستراتيجية" هي ما نراه راهناً: دولة ناقصة بقرار سياسي من خارج حدودها. وستبقى كذلك لأن بعض أهلها يريد ذلك القرار ويؤيده… والباقي تفاصيل دموية مؤسفة ومؤلمة ومرعبة مثل اغتيال كمال مدحت!