#adsense

“الأشرفية” في ميزان الانتخابات

حجم الخط

"الأشرفية" في ميزان الانتخابات

تختزن وتختزل الأشرفيّة حرارة المعركة الانتخابية "مسيحياً"، ومن حيث يدري أو لا يدري الجنرال السابق ميشال عون فقد ورّط نفسه في عمق الذاكرة "المسيحية" بكل أبعاد معانيها المتعددة، فالأشرفية في الوجدان المسيحي تختصر "تاريخاً" وتتكوّن انطلاقاً منها اختزالات للحظات مقاومة لبنانية شرسة، وذوق لمعاني مرادفات كثيرة بينها الحصار الانكسار، والانتصار، ولحظة الانهيار الوطنية العامة، والجنرال المصرّ على توريط نفسه في شوارع الأشرفية وساحاتها وامتداداتها الجغرافية بات وضعه كمن يقال عنه "ما تهزو واقف ع شوار"، ومع هذا ما زال مصراً على خوض معركة طاحنة في المكان الخاطىء، فالأشرفية لها بوابة ذاكرة من الصعب تخطيها وتجاوزها ولا تستطيع غض النظر عن دماء شهدائها..

لا يستطيع الجنرال مهما تجاهل وأدار ظهره لمشاعر الأشرفية أن يغمض عينيه عن الدماء التي خطّت حكاياتها، ولا عن الصورة المحفورة في أشهر ساحاتها، ولا حيث تقبع تلك الرخامة المميتة التي تدل على مكان سقوط أحد أبنائها، ولا يستطيع أيضاً أن يهرول هارباً عند سور مدافنها ليفرّ من طيف الذي ما زال وجهه مطبوعاً في عينيها "تالصوت يودي". وإذا كان الجنرال قد استطاع أن "يفشّخ" فوق دماء من آمنوا صادقين ومصدقين لعناوينه الكاذبة بدءاً من التحرير انتهاء بـ "يستطيع الكون أن يسحقني" ثم فر من المعركة وتركهم خلفه ليعدموا رمياً بالرصاص!! وها هو يجلس اليوم مرتاحاً ومتجاهلاً العائلات التي ضحى بأبنائها عندما صدقوه بأنه سيقاتل حتى الموت، فلم يقاتل حتى بمقدار المسافة التي استغرقتها الطريق من قصر بعبدا إلى حمى مبنى السفارة الفرنسية في مار تقلا سابقاً !! ولأنه قادر وبصلف شديد على ابتلاع الدماء وتجاوزها والتنازل عن حقوقها متى استدعت حاجات طموحاته القاتلة، يريد من أبناء الأشرفية ببساطة شديدة أن يفعلوا كما فعل هو، بأن يرموا الشهداء وراء ظهورهم، ربما لأنه يعتبر أن كل واحد منهم أصبح مجرد "فقيد عائلة"!!

ويتجاهل الجنرال السابق أنه بكى متفجعاً على شباب الرئيس المغتال الشيخ بشير الجميل، ويتجاهل أيضاً ذلك العنوان الذي ظل صداه يتردد طويلاً في أغنية "الأشرفية البداية.. الأشرفية الحكاية"، ما زال بشير الجميل بما يمثله من مشهد الرافض الصارم برنة صوته المميزة لترك الأرض اللبنانية تتحول وطناً بديلاً للفلسطينيين ماثلاً في ذاكرة الأشرفية، وما زالت حرب المئة يوم بكل الراجمات التي صبت حممها عليها والمدافع التي دكتها تحرك هذه الذاكرة، وما زالت لحظة الضياع والوقوف في مجهول عراء اللحظة بخوف وذهول في كل مناطق لبنان لحظة دوّى ذلك الانفجار ثم تلاه الدوي الأعنف معلناً سقوط الشيخ بشير الجميل مضرجاً بحلم الدولة القوية في ذاك اليوم العنيف من أيام الذاكرة اللبنانية، على رغم تفاوت النظرة وتفاوت المشاعر يومها تجاه بشير بين منطقة وأخرى، إلا أن لبنان كله لا يستطيع أن ينكر أن الشعور نفسه تكرر يوم اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، مع فارق كان ليجنبنا الكثير من الاغتيالات لأن قسماً من اللبنانيين لم يتحرّك، ليس لأنه لم يهزه اغتيال بشير الجميّل، بل لأنه فجر يوم اغتياله كان مشغولاً بالفرار من جحافل العدو الإسرائيلي الذي تسلل على دماء بشير ليدخل بيروت عاصمة العرب، تماماً مثلما حمل طوفان دماء الرئيس الحريري آخرين على المغادرة..

يتمنى الجنرال ميشال عون واهماً تجاوز رمزية بشير الجميل وولده نديم في الأشرفية تحديداً، ويتمنى واهماً أن يضع مرشحه عصام أبو جمرة نقطة على سطر الأشرفية ليتمكن هو من ختم أيقونات الشهداء بالشمع الأحمر..

ويريد الجنرال ميشال عون أن يتخطى دماء سمير قصير وفكره وحلمه بربيع بيروت الذي صنعه بيديه وأحلامه وذهوله عندما وقف وجهاً لوجه مع استشهاد الرئيس رفيق الحريري مختصراً مشاعر كل اللبنانيين بقوله: "ما كنت عارف إني بحبو هالقد"!! كلنا ـ للأسف. لم نكتشف حقيقة مشاعرنا هذه تجاهه إلا بعيد استشهاده، وأريقت بعدها دماء سمير قصير لتسقي هذا الربيع الذي أزهر في بيروت يوم 14 آذار العام 2005 يوم قال جملته الشهيرة: "كبّروا الزووم"، ومازال هذا الربيع يزهر ويفاجئ الجميع كلما ظنوا أنه لن يعود!!

ويريد الجنرال أيضاً أن يتخطى دماء جبران تويني ابن الأشرفية وأشلاءه، ويريد أن يتخطى واقع أن مأساة اغتياله صنعت من نايلة ابنته وامتداده جوهرة حقيقية خرجت من رحم الألم يوم صرخت من فوق نعش ابيها بتسلسل مروّع أنها ابنة النهار وعين الديك وأنها ابنة "بيي جبران إبنو لجدي غسان إبن جدو لبيي جبران"، هذا التسلسل الضارب في تاريخ لبنان والشجرة العميقة الجذور الوارفة في الأشرفية، يريد الجنرال أن يتخاطاها، أو يقتلعها، ولكن : هل يحق له أن يظن أن اللبنانيين يخونون ذاكرتهم ودماءهم ونضالاتهم وشهداءهم ؟ ربما هو يظن ذلك لأنه فعلها، وفعلها من زمان، يوم فر من المعركة وليس كما يظن البعض أنه طوى صفحة عداء وفتح صفحة صداقة..

ثمة سور شاهق في الأشرفية لن يستطيع عون تخطّيه وسيسقط عنده حلم الجنرال بدفن الشهداء لمرة أخيرة وإلى الأبد، فهو يغار ولا يحتمل حتى "زعامة" الشهداء، وكلهم: بشير الجميل وسمير قصير وجبران تويني، يريد الجنرال دفنهم لمرة أخيرة علّه يدفن معهم نهائياً طيف شهيد لبنان وحريته وسيادته واستقلاله رفيق الحريري، الذي مازال ظله الممتد على مساحة لبنان يقضّ مضحع أحلام الجنرال المستحيلة والقاتلة في آن…

المصدر:
الشرق

خبر عاجل