استكمال الاتصالات بعيداً عن الأضواء لإمرار مشروع قانون إعادة الجنسيّة
تتابع اليوم العديد من الأوساط المسيحية عموماً، والمارونية خصوصاً، بكثير من الاهتمام مداولات لجنة الإدارة والعدل البرلمانية المتعلقة بمشروع قانون إعادة الجنسية للمنحدرين من أصل لبناني. إذ بعيداً من الأضواء، أجرت جهات قضائية ووزارية ونيابية وكنسية بارزة اتصالات مكثّفة، ولا سيما لدى الأطراف التي كانت تبدي، في المرحلة السابقة، برودة أو ممانعة، لإمرار هذا المشروع نظراً للأهمية الكبيرة المُعلّقة عليه. وكان ثمة إصرار لدى هذه الجهات على عدم إثارة هذا الموضوع إعلامياً، رغم العقبات التي كانت موضوعة في طريقه، بغية عدم المخاطرة في الانزلاق إلى مزايدات سياسية من شأنها أن تعرّض هذا المشروع للخطر.
لم يعارض البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير، في عظة الأحد، اتجاه تعديل الدستور لخفض سن المقترعين إلى ثمانية عشر عاماً، ولا سيما في ظل كونه مطلباً سياسياً عارماً، بل إنه أبدى تحفظاً هو أشبه بلفت نظر إلى تداعياته على المعادلة السياسية اللبنانية القائمة على التوازن بين المسيحيين والمسلمين، في عملية إدارة شؤون الدولة. أما هذا التوازن، من وجهة نظر بكركي وسيدها، فهو الضمانة الأساسية للحفاظ على دور مسيحي فاعل ينطلق من لبنان ويتفاعل في سائر أرجاء منطقة الشرقين الأدنى والأوسط. فكما بات معروفاً، يُمثّل المسيحيون المضافون إلى لوائح الشطب ما تناهز نسبته الربع من الشريحة المُضافة عموماً، وهذا ما سيؤدي بالتالي إلى انخفاض نسبة المسيحيين على لوائح الشطب من 39.7 إلى 38.5%.
ثمة عوامل كثيرة أدت إلى تراجع نسبة المسيحيين في لبنان، منها ما هو اجتماعي، ومنها ما هو مرتبط بما تعرّض له المسيحيون في العقود الأربعة الماضية وفق ما تُظهر بوضوح كامل المقارنات بين الشرائح العمرية التي حصلت عليها «الأخبار» من الباحث يوسف شهيد الدويهي:
* نسبة اللبنانيين المولودين بين 1947 و1956 هي 9.1%: نسبة هذه الشريحة العمرية لدى الطوائف المسيحية 11.2%، أي بما يفوق المستوى الوطني، في المقابل نسبة هذه الشريحة لدى الطوائف الإسلامية 7.82%.
* نسبة المولودين بين 1967 و1976هي 15.45%: نسبة الشريحة لدى المسيحيين 14.45% ولدى المسلمين 15.99%.
* نسبة المولودين بين 1987و1996 هي 17.14%: نسبة الشريحة لدى المسيحيين 11.9%، ولدى المسلمين 20.4%.
* نسبة اللبنانيين المولودين بين 1997 و2006 هي 12.7%: نسبة الشريحة لدى المسيحيين 8.85%، ولدى المسلمين 14.87%.
ما يمكن استخلاصه أولياً من هذه المقارنات هو أن للأزمات السياسية الحادة ابتداءً من عام 1967 تأثيراً مباشراً على الهجرة وتسجيل الولادات في الاغتراب، ولا سيما في الفترة التي شهدت التقاتل بين المسيحيين ومن ثم تركيز السيطرة السورية على القرار الرسمي اللبناني وما تخللها من استهداف للمسيحيين المنضوين في الأحزاب التي كانت محظورة، ما دفعهم إلى الهجرة وعدم تسجيل أولادهم في القنصليات اللبنانية في الخارج. هذا بالإضافة إلى مرسوم التجنيس الصادر عام 1994 الذي لم تكن له آثار خطيرة على التوازن فحسب، بل أيضاً لجهة توزيع المجنسين خصوصاً في قضاء زحلة حيث تقلصت الأكثرية المسيحية إلى حد كبير. أما الملاحظة الأولية الأخيرة، فهي أن نسبة الولادات تراجعت كثيراً لدى المسلمين إلا في محافظتي بعلبك ـــــ الهرمل وعكار، لكن الفارق الكبير الذي حصل في العقود الماضية لم يعد بالإمكان تعويضه من دون إجراءات غير عادية. ورغم القول إنه «بدءاً من اتفاق الطائف توقف العدّ»، فإن أداء القيادات الإسلامية، ابتداءً من انتخابات عام 1992 والتعيينات الإدارية سنة 1993، لم يطمئن الأوساط المسيحية. لذلك ثمة شعور دفين بأن الدور المسيحي مهدد، ما لم يُعالَج الخلل. أمام هذا الوضع يتجاذب النخب المسيحية خطان: الأول يراهن على النخب والقيادات الإسلامية المتنورة التي لا تخفي خشيتها على مستقبل لبنان ونوعية الحياة فيه، في ظل تراجع الدور المسيحي، والثاني يركّز على تدابير عملية مشابهة لمشروع قانون إعادة الجنسية للمنحدرين من أصل لبناني. غير أنهما يلتقيان على سؤال: أي دور يريده المسلمون للمسيحيين في لبنان؟