البرامج السياسية للموالاة والمعارضة أولويات مقلوبة
من المفترض أن تطرح الانتخابات النيابية المقبلة إشكالية البرامج السياسية للمرشحين أو للفرقاء الأساسيين الذين سيخوضون المعارك الانتخابية أي فريق الرابع عشر والثامن من آذار فضلاً عن ما سمي المستقلين أو الوسطيين حيث من المفترض ان يخوض كل فريق معركته استناداً الى برنامج سياسي يطمح الى تنفيذه فيما لو أوصلته الانتخابات الى موقع ممثل الأكثرية النيابية وبالتالي الشعبية وفق قواعد الديموقراطية البرلمانية.
أوساط سياسية مطلعة ترى تناقضاً جذرياً بين الفرقاء الذين يخوضون الانتخابات حتى على مستوى المفاهيم العلمية والسياسية والدستورية وفي النظرة لإتفاق الطائف أو الدستور اللبناني وذلك تبعاً للموقع الضاغط أو المؤثر الذي يتبوأه هذا الفريق أو ذاك. ويظهر جلياً حسب الأوساط ان فريق الثامن من آذار يرى ان الركون للديموقراطية ـ أي أكثرية وأقلية ـ بعد إجماع هذين الفريقين على خيار وطني واحد وثوابت وطنية واحدة وفق أدبيات حزب الله المعلنة فيما الدستور اللبناني ـ أي الطائف ـ يشير بما معناه الى مجموعة قضايا أساسية تخضع في ما جرى خلاف حولها الى التصويت وفق قواعد أكثرية الثلثين اما سائر الأمور فهي بالأكثرية العادية.
وتلفت الأوساط ان هذه القاعدة لا تشمل الأساسيات التي اتفق عليها في الطائف وتحولت الى نصوص دستورية، حتى انها غير مطروحة بالأساس لإعادة البحث أو للنقاش على أي من المستويات السياسية أو الدستورية كوحدة لبنان ونظامه السياسي وثوابته الوطنية وحرية واستقلال وسيادة البلد.. وهذه مفاهيم ليست بحاجة الى إعادة إنتاج مثلاً لانها تشكل قواسم مشتركة لدساتير معظم الدول ذات المرجعيات الدستورية والسياسية والقانونية.
وتستدرك الأوساط لتقول ان فريق الثامن من آذار يثير نقاشاً حول مسلمات ويعمل على إحداث إنقلاب في المفاهيم بالاستناد الى منطق السيطرة والهيمنة وليس الى المرجعيات العلمية والسياسية والدستورية للأوطان. فكيف يمكن ممارسة الديموقراطية مثلاً بعد إجماع الأكثرية والأقلية على الخيارات الوطنية والثوابت. فإذا كان ما يعنيه فريق الثامن من آذار مثلاً ما جاء في إتفاق الطائف وبالتالي الدستور من ثوابت فهذا لزوم ما لا يلزم، وان أحداً لا يطرح هذه الإشكالية انما المطروح هنا الجهة التي يمكن ان تشكل مرجعية تفسيرية لهذه القضايا، فقد حدد دستور الطائف ماهيتها باعتبارها تخضع لأكثرية الثلثين فيما لو وقع خلاف حولها، اما الثوابت فهي خارج إطار التشكيك حتى لو سمح البعض لنفسه بإثارة طواحين الهواء حولها. وتضيف الأوساط ان الأهداف أو الشعارات التي تروج لها المعارضة تحت عنوان أساسي هو المقاومة لا يقارب قضية الدولة ومؤسساتها فتأتي عامة وشاملة غير معبرة عن الواقع المعاش، فلم تجب المعارضة عن موقع الخط الفاصل بين الخيار الوطني المقاوم وخيار الدولة بما تعنيه من مؤسسات ومستلزمات الاعمار والنهوض على كل المستويات.
والأكثر خطورة تقول الأوساط انه كلما اقترب موعد الانتخابات النيابية بما تعنيه من بلورة للمشاريع والخطط المزمع تنفيذها من قبل الأطراف نرى في موازاة برنامج سياسي اقتصادي اجتماعي أعلنته قوى الرابع عشر من آذار تطلب فيه من الناس انتخاب ممثليها للبرلمان على أساسه نرى غياباً لأي برنامج سياسي اقتصادي اجتماعي للمعارضة الحالية حتى انها تتحدث عن برامج لكل مكون من مكوناتها لا تقاطعات بينها، والادهى حسب الأوساط ان فريقاً في المعارضة يتحدث عن ان البرامج السياسية تأتي لاحقاً بعد الانتخابات التي تتطلب عناوين عامة وشعارات سياسية يضع خلالها كل فريق برنامجه ويجري البحث عن نقاط مشتركة يتعاونون على تطبيقها، فليس ثمة ضرورة حتى الى ورقة عمل مشتركة، فاذا نجحوا في الانتخابات وضعوا المشروع السياسي تبعاً لحجم كل فريق في المعارضة وليس تلبية لحاجات بناء الوطن والمؤسسات.
وتذكر الأوساط بالقضايا الاربع عشرة التي أعلنتها قوى الرابع عشر من آذار كبرنامج سياسي والتي تكاد ان لا تنسى أي مسألة يمكن أن تساهم في قيام الدولة الحقيقية القادرة على حماية لبنان وفرض سلطة الدولة وفض الخلافات مع سوريا الى التناغم مع المجتمع الدولي واستعادة دور لبنان على كل الساحات والتزام منع التوطين وبلوغ المحكمة الدولية واطلاق سياسات اقتصادية ومالية ونقدية ذات ابعاد تنموية فضلاً عن استكمال بناء الدولة ومؤسساتها على أساس ميثاق العيش المشترك بتطبيق إتفاق الطائف مضافاً اليها قضايا المرأة والاغتراب والبيئة والتنمية.
وتخلص الأوساط الى إطلاق دعوة لكل الفرقاء المعنيين بالانتخابات ان يخوضوها على قاعدة مشروع سياسي اقتصادي متكامل يسمح للناس بالتوجه الى الانتخابات والاقتراع والمحاسبة لاحقاً على أساس البرنامج وليس الشخص على أهميته احياناً في الحياة السياسية الداخلية، فثمة أسئلة كبيرة تتطلب اجوبة أكبر وهي لا تنتهي عند حدود رفع شعار المقاومة والتحرير.