إذا كانت 8 آذار مقتنعة بأنّ الانتخابات "غير مهمّة" فإما أن تقاطعها أو أن تشارك فيها بروح رياضية
الاحتجاج على مصيريّة الاستحقاق يطرح مشكلة "أخلاقية"
للمرة الأولى في تاريخ الظاهرة الانتخابية لدى الشعوب، تقوم جبهة سياسية، هي قوى 8 آذار في لبنان، بتعبئة جماهيرها لخوض الانتخابات بكثافة وصخب، إنّما تحت شعار أنّ هذه الانتخابات ليست مصيريّة ولا حتى مفصلية، بل عادية وأقل من عادية، بل هي انتقالية بقانون انتخابي انتقاليّ ولا يعتدّ بالتالي بنتائجها، خصوصاً أنّ الفارق سيكون بسيطاً بين المشروعين المتنافسين.
عرف تاريخ الظاهرة الانتخابية دعوات وحركات تروّج أيضاً لثقافة إنكار أهمية الانتخابات، والإصرار على طابعها غير الأساسي، غير المحوريّ، المنقطع عن الواقع، الذي لا يقدّم ولا يؤخّر. على سبيل المثال لا الحصر، عرف تاريخ الحركة الاشتراكية في النصف الأوّل من القرن الماضي دعوة اليساروي الإيطالي أماديو بورديغا التي كانت تنادي بمقاطعة أي انتخابات تشريعية أو بلدية أو حتى نقابية. هذا مع العلم أنّه كان لدى بورديغا بضع أفكار أخرى تشفع له، في حين أن جماعته اللاحقة والمتناثرة بين مدن أوروبا والتي لم تنقرض تماماً بعد إلى اليوم أضحت شكلاً من أشكال الكاريكاتور.
لكن يبدو أنّ قوى 8 آذار في لبنان قرّرت الإحياء "النصفيّ" لتراث البورديغية اللاسياسيّ، وذلك من خلال نفي مصيريّة الانتخابات بشكل خاص، ونفي طابعها السياسيّ بشكل أساسيّ، والبتّ بأنها بلا طعم ولا لون، وأنّها لا تغيّر شيئاً في توازنات البلد وفي شكل اتخاذ القرار فيه، وفي ما يجوز وما لا يجوز مساءلته.
لكنّ العجب العجاب أن قوى 8 آذار "النصف بورديغية" من حيث نفي أهمية الانتخابات، تصرّ في الوقت نفسه على تحشيد كل ما لديها من أوراق مشروعة وغير مشروعة لأجل خوض هذا الاستحقاق، بل إنّها تعبّىء للمعركة تحت عنوان أنّ هذه المعركة غير مهمّة وغير مجدية وفولكلورية. مثل هذا العنوان كفيل في العادة بتبرير مقاطعة العملية الانتخابية وليس خوضها والضغط عليها من كل حدب.
ثم أنّ إنكار 8 آذار لمصيرية الانتخابات وسياسيتها يتحوّل إلى الشكل الرسميّ للضغط غير الديموقراطيّ على الناخبين وعلى المرشّحين من الجهة المقابلة. تقول 8 آذار للناخبين وللمرشّحين المنافسين إنّه مهما فعلتم، ومهما كانت نسبة مشاركتكم أو نوعية البرامج التي قدّمتم، ومهما كانت النتيجة ونوعية التمثيل البرلماني الجديد، فإن شيئاً من ذلك لن يحرّك تفصيلاً واحداً صغر أو كبر في الحياة السياسية اللبنانية. تستند 8 آذار إلى هذا (اللا)منطق للقول لاحقاً بأنّه إذا كان الفوز في الانتخابات لا يعطي أي امتياز لـ14 آذار، بل لا يمنحها أي ضمانة، فما حاجة 14 آذار إذن إلى الفوز، ولتتركه لأصحابه، أي لأولئك القادرين على قلب الطاولة تماماً إذا ما انتزعوا الأكثرية، وحسم الصراع لمصلحة "دولة أهل المقاومة والحرب الأهلية التي من جانب واحد" بوجه مشروع الدولة المدنية المسالمة.
وبما أنّ الانتخابات غير مصيريّة، لا تجد 8 آذار من حاجة لبلورة برنامج انتخابي موّحد يجمع شمل أركانها.
إلا أن ما يزيد الأمور عجباً هو أنّ هذه الجبهة التي تفخر بـ"لابرنامجيتها" عشية الانتخابات، وتعبّىء جماهيرها لخوض الانتخابات على قاعدة أن الاستحقاق غير مهم وغير سياسيّ، إنّما تشدّد في الوقت نفسه على أنّ الطرف الذي ينافسها في الانتخابات هو طرف مراهن على الغرب ومتآمر معه.
لو كانت الانتخابات غير مهمّة وغير أساسية، وكان أخذ الموقف التعبويّ منها ضرورياً لوجبت الدعوة إلى المقاطعة من طرف 8 آذار، وهذا لم يحصل.
ولو تجاوزنا هذا التناقض المنطقيّ البيّن، وكانت الانتخابات غير مهمّة ولا أساسية، ووجب مع ذلك التعبئة للمشاركة بكثافة فيها من طرف من يراها كذلك، أي 8 آذار، فإننا سنقع في تناقض منطقيّ ثانٍ وهو أنّ الانتخابات العادية التي ينبغي المشاركة فيها بطريقة غير عادية هي انتخابات لا ينبغي أن تُخاض لا بروح ديموقراطية ولا بروح رياضية من أي نوع، وإنّما بروح تخوينية في حدود التهدئة الأمنية، فهي انتخابات تخاض ضد الخونة، وعلى أساس أن الخونة والعملاء إذا ما فازوا بها فهذا أمر غير مهم، وأنّه ينبغي فرض المشاركة القهرية على الخونة والعملاء، على قاعدة أنّ لبنان لا يُبنى إلا على التوافق.
وإذا ما تجاوزنا التناقضين المنطقيين الأوّل والثاني وهما بالمناسبة تناقضين أخلاقيين للغاية فإن من لديه مشكلة مع الأخلاق هو ذاك الذي يقوم في نفس الوقت بخوض الانتخابات على قاعدة إنكار أهميتها، وإنكار ضرورة أن يقدّم برنامج إلى الناخبين، مع تثبيت أهمية المشاركة فيها بكثافة، وعلى أساس إنكار وطنية المنافسين مع إنذارهم مسبقاً بحتمية المشاركة وحتمية "الثلث المعطّل".
ثمة أوجه أربعة على الأقل لعلاقة الانتخابات مع الأخلاق. الوجه الأوّل هو احترام المرشّحين لفكرة الانتخابات التشريعية نفسها، من حيث هي الشكل الرئيسي في الديموقراطيات التمثيلية للاحتكام بواسطة الاقتراع العام إلى أكبر قاعدة ممكنة من الناخبين، ومن حيث هي في لبنان الشكل الوحيد للشرعية الديموقراطية، بما أن النظام الدستوريّ اللبنانيّ لا يلجأ إلى الاقتراع العام لا لانتخاب رئيس جمهورية أو رئيس وزراء ولا لتنظيم استفتاءات. هذا الوجه لا تحترمه 8 آذار.
والوجه الثاني هو احترام المرشّحين للهيئة الناخبة، ولمقولة إن الشعب مصدر السلطات، وهو ما لا تقوم به 8 آذار طالما هي تخوض المعركة ضد طرف تخوّنه ليلاً ونهاراً، إنّما من دون الحاجة إلى برنامج انتخابي لمقارعته. من لا يخوض الانتخابات ببرنامج لا يحترم ناخبيه، وهو قبل كل شيء لا يحترم فكرة "التعهّد"، ومن لا عهد له لا أخلاق له.
أما الوجه الثالث لأخلاقيات الانتخابات فهو احترام المرشّحين لبعضهم البعض، وهو ما يظهر جلياً أن 8 آذار لا تقوم به، وتتصرّف بشكل بعيد عن كل القيم الديموقراطية.
والوجه الرابع لأخلاقيات الانتخابات هو احترام نتائجها، والعودة إلى الدستور لقراءة ما الذي تعطيه هذه النتائج للفائزين فيها. هل تعطيهم حق انتخاب رئيس جديد لمجلس النواب أم لا؟ هل تعطيهم حق تشكيل حكومة أم لا؟ هل تعطيهم حق الدفع قدماً بمسيرة الحوار الوطني على طريق حل مشكلة السلاح غير الشرعيّ وتقرير الدولة لحال السلم من حال الحرب أم لا؟
إذا كانت 8 آذار مقتنعة بأنّ الانتخابات غير مهمّة فإما أن تقاطعها وإمّا أن تشارك فيها بروح رياضية. كلّ ما هو خلاف ذلك احتجاج على السياسة وتعريض بالأخلاق.