إستفتاء
من جديد يا اخوان.. محاججة مفتوحة في توصيف الانتخابات النيابية الآتية، بعد أن كرر الرئيس نبيه بري بالأمس رأيه علناً بأنها ليست مصيرية بل "عادية وأقل من عادية والأكثر مذهبية وفئوية وجبهوية وطائفية". قبله أيضاً خرج أقطاب رئيسيون في 8 آذار بتلك النتيجة أو ذلك التوصيف الرنّان، الذي يحاول التخفيف والتقليل من مركزية الاستفتاء الذي تعنيه الانتخابات حيال لبنان، وكل قضية من قضاياه.
ومرة جديدة يفترض حَكّ الرأس والتذكير بالشعارات التي دأبت قوى 8 آذار على تردادها عند كل محطة افتراء على الأكثرية. وأبرزها التوعد "بإعادة إنتاج السلطة" بعيداً عن الذين "بلفوها" بواسطة التحالف الرباعي وأقاموا أكثرية وهمية، وصولاً (ولنتذكر معاً) الى إلصاق تهم العمالة والتبعية والخيانة بهم. وأحدهم في هذا المقام قال في كانون الاول عام 2006، مع بدء احتلال الوسط التجاري وتعطيله ومحاصرة السراي الحكومي، ما معناه ان المعارضة تمثل ثلثي لبنان، والثلث الباقي مأخوذ غصباً عنه الى مواقع غريبة عليه.
شتلة مرموقة من الخبريات المماثلات والاتهامات النافرات، دأبنا على سماعها على مدى أيام وأسابيع وشهور وسنوات، من دون فكاك ولا تراخٍ ولا تروٍ ولا تهدئة، لكن عندما حان موعد قطاف ذلك الزرع بدأ الفلاحون الكسالى بتحميل الطقس وندرة المطر مسؤولية قطافهم الهزيل وشحّ موسمهم.
…هي تبعاً لذلك، ولما هو أكثر منه، واحدة من أهم الانتخابات في تاريخ لبنان الحديث. انها أكثر من مجرد ممارسة على حوافي الديموقراطية الصحيحة، وأكثر من مجرد عرض مترف لقدرة الصوت وصندوق الاقتراع على مقارعة القبضات الحديدية وصناديق الذخائر والصواريخ. انها استفتاء فعلي مباشر وواضح وضوح الشمس، على كل السياسات والارتكابات السابقة والراهنة والآتية، وعلى الأحجام الفعلية للقوى الناشطة في المشهد اللبناني برمته.
ثم بعد ذلك، ليس صحيحاً القول ان الانتخابات ستكون الأكثر مذهبية وفئوية وجهوية، بل الأصح الافتراض انها ستكون مرآة صافية من دون خدوش أو رتوش، لكل الهياج الذي أشعله أهل الممانعة عن سابق تصور وتصميم، في الجسم الركيك للمجتمع الطوائفي اللبناني. وهم الذيم لم يتركوا سلاحاً إلا واستخدموه في معركتهم ضد الأكثرية، بما في ذلك "سلاح ذو حدين، شفرته بتّارة قطّاعة من دون حدود، هو سلاح تركيب حلف أقلوي بين طرفين ضد الآخرين، بل ضد طرف بعينه. ولا ضرورة للشرح والتفصيل أكثر هنا، حرصاً على المناخات الإيجابية العتيدة!.
صحيح القول في الإجمال، ان الانتخابات ستكون عادية ولكن بمعنى واحد فقط، إذ انها لن تُغير في خرائط التوزيع الطوائفي والمذهبي شيئاً، ولن تدفع بطرف الى إلغاء الآخر. ونحن في لبنان، منذ ثلاثة عقود وأكثر، أسرى بإرادتنا لهذه المعادلة ولا شيء جديداً هنا. فلا الحروب ولا الاجتياحات ولا ما شابه ذلك من فواجع ومآسي وتجارب فاشلة، تمكنت من تغيير تلك المعادلة، ولن تغيرها الانتخابات بطبيعة الحال.
تحت هذا السقف الدالف تصريحات لا تحترم عقول الناس، يمكن سؤال أهل الممانعة قبل غيرهم عن كيفية تركيب حالتين متناقضتين على منصة واحدة: بعضهم يتحدث عن "عادية" الانتخابات وينفي عنها أي صفة مصيرية، فيما بعض آخر، ينطلق من الرابية وضواحيها، كل يوم اثنين بعد الظهر وبعد الأكل، ليصرخ ويزمجر ويرغي ويزبد (من الزبد) بأن الانتخابات الآتية ستكون المناسبة "لانهاء سلالات" و"اقطاعيات" سياسية من جذورها؟!
كي لا يبقى الربع محتاراً أيما حيرة، تصح هنا دعوة أهل 8 آذار الى وضع توصيف موحد للانتخابات الآتية، قبل الوصول الى الاتفاق على توزيع المقاعد لمحاولة انتشال جنرال الردح من مكانه، وقبل محاججة الآخرين في كيفية التعامل مع نتائج الاستفتاء المفصلي والمصيري الآتي في 7 حزيران.