#adsense

تكريس الدوحة وتعطيل الطائف!!

حجم الخط

 تكريس الدوحة وتعطيل الطائف!!

"مطرحك يا واقف"، هذه هي الخلاصة التي قد يخرج بها أي قارئ لسطور أو ما بين سطور حديث الرئيس السوري الدكتور بشار الأسد، "لا جديد" تغيّر في النظرة إلى لبنان، على الرغم من اللحظة التاريخية التي تمنّاها لبنان وشعبه طويلاً عبر تحقيق تبادل التمثيل الدبلوماسي بين الدولتين، وقد حدث هذا، ولكن ثمة نقاطاً تثير ريباً كثيرة ولا بد من أن تكون هناك حولها مصارحة ومكاشفة تامة بين الدولتين والرئيسين، «لأن الطرفين على حد سواء يعلنان – وهذه حقيقة صادقة – عن رغبتهما بالتئام الجرح بين البلدين»، وإقامة علاقات طبيعية ونديّة بينهما، وتقتضي هذه المصارحة التوقف عند بضع نقاط لكونها أساسية بل مفصلية في بناء علاقة سليمة، ولتناقش بموضوعية سياسية لا على جاري النسقين اللبنانيين المعهودين: "الرفض الكلي لكل ما قيل" أو "التأييد الكلي لكل ما قيل"!!

وفي النقطة الأولى،ما دامت البوابة السورية ستظل مفتوحة لما هب ودب من أنصاف السياسيين والمستزلمين والباحثين عن موقع على خارطة التمثيل اللبناني، وما دامت سورية تنفض يدها من الأمر وترميه برمته على عاتق الدولة اللبنانية مطالبة إياها بإعلان قرار يمنع فتح قنوات شخصية في العلاقة بين سورية ولبنان، هذا الكلام ليس عادلاً أبداً، فلنعكس الأمر ونتساءل: من يستطيع أن يفتح من سورية أو من أي دولة سواها فروعاً له في علاقاته الشخصية مع أي دولة أخرى، وعلى مستوى الحديث الذي يدور بين سورية و"أصدقائها" ويتناول دائماً التفاصيل الداخلية، لا أحد يرى أن المطلوب من سورية أن تستقبل وتسمع وتسكت، أبداً بل المطلوب أن تقفل سورية أبوابها وآذانها عن أفواه "الثرثارين" الصغار خصوصاً الذين لا يمثلون إلا أنفسهم..

والنقطة الثانية، هي دفتر الشروط الذي تم تقديمه على أنه بوابة العبور إلى الحضن السوري، كالعادة وسلفاً يتم تصنيف اللبنانيين: "عروبي، مؤيد للمقاومة، يرى العلاقات بين لبنان وسورية بحسب نظرة سورية إليها" وإن تم استقبال آخر من خارج دفتر الشروط فلإقناعه بدفتر الشروط هذا.. بمعنى آخر ليس هناك نظرتان تتحاوران بل تبعية مطلقة لرؤية واحدة ومفهوم واحد هما النظرة السورية..

النقطة الثالثة، والتي لا تبعث مطلقاً على الاطمئنان هذا الحديث عن تفسير لاتفاق الدوحة لـ"حكومات الوحدة الوطنية"، وهذا التفسير مستجد وتكشف سورية عنه للمرة الأولى، وبناء عليه هل يعني هذا أن علينا افتراض أن الدوحة هو الدستور الذي يجري تسويقه الآن كعرف أو كاتفاق ليصبح دستوراً، على اعتبار أن لبنان بلد يتغلب فيه العرف أحياناً على الدستور؟! مع أن مفاعيل الدوحة تنتهي صباح 8 حزيران 2009.. وما هو غير مطمئن هنا ـ وإن حرصت سورية على التأكيد أنها غير عائدة عسكرياً إلى لبنان وأنها لا ولن تتدخل في الشأن الداخلي اللبناني ـ أن سورية لا تتدخل بل تلغي عملياً اتفاق الطائف وتكرّس اتفاق الدوحة، وتلغي أي مفاعيل حقيقية لديموقراطية لبنان البرلمانية، ولأي نتائج انتخابات المقبلة وكل ما سيليها، وتعطل كل المؤسسات الدستورية ومن دون حاجة حتى لدخول عسكري، فما دامت تحكم لبنان بالثلث المعطل، وهنا علينا أن نراجع تاريخ كل الحكومات التي أصرت سورية دائمة على تسميتها إما بحكومة اتحاد وطني أو اتفاق وطني وحالياً وحدة وطنية عملياً كلها كانت حكومات تعطيلية!! فهل هناك تدخل أكثر من هذا، أقل ما يقال في هذا العنوان أنه تدخل تغييري ينسف النظام اللبناني من أساسه.

ما هو ضروري بعد قراءة حديث الرئيس السوري هو فتح حوار حقيقي بنيات صافية وصادقة بين الرئاستين السورية واللبنانية ولمصلحة الطرفين والبلدين، فلا اللبنانيون سيقبلون في لحظة ما الانقلاب على الرئيس ميشال سليمان وحبسه في كلمة "توافقي" فقط، وتكريس التوافق عرفاً يمنع أو يسمح بإجراء انتخابات الرئاسة!! وليس هناك لبناني سيقبل أيضاً بتعطيل الحياة السياسية كلّها تحت عنوان فضفاض اسمه: "رئيس توافقي" و"حكومة وحدة وطنية" و"الحكم بالتوافق لا بالأكثرية البرلمانية"!! هذا تعطيل لمؤسسات الدولة اللبنانية التي تقوم عليها الحياة الدستورية والتشريعية والنيابية والسياسية في لبنان، وبعدها علينا أن نسأل: أليس كل هذا التعطيل الذي نشهده اليوم على مستوى التعيينات هو تعطيل وتدخل في الشأن اللبناني، سواء جاء هذا التحكم عبر الوجود العسكري، أو عبر ثلث الأصدقاء والحلفاء المعطل للدولة اللبنانية بكل مرافقها والضامن لنفوذ الجارة.. هذا إذا كنا كدولتين وبلدين وشعبين نمارس حقيقة فعل "حريتنا وسيادتنا واستقلالنا" ونريد أن نبني علاقات أخوية صادقة وجوهرية لا نسمع فيها مفردات مثل "خسرنا" لبنان، وكأن لبنان ليس وطناً ودولة بل مجرد"فيشة" على طاولة خضراء يُربح أو يُخسر..

المصدر:
الشرق

خبر عاجل