14 شباط كان محطة مفصلية لمصلحتها ووحدتها
الأكثرية وتحدّي تحويل الحضور الشعبي دستورياً
ثمة أسئلة هواجس يرددها شارع الأكثرية لا مناص من الاعتراف بها والإجابة عنها في سبيل التعامل معها ومعالجتها .. لتجاوزها، لما يترتب عليها من انعكاسات نفسية على هذا الجمهور عشية الذهاب الى العملية الانتخابية في 7 حزيران المقبل.
والمصدر الرئيسي لهذه الاسئلة الاشكاليات المتعلقة بما يعتبره كثيرون نوعاً من التأخير في حسم لوائح المرشحين ينعكس التباسات لدى الجمهور، هو أن أداء قوى 14 آذار بعد يوم 14 شباط 2009 لم يجار طموح الجماهير المليونية التي احتشدت في ساحة الحرية بمناسبة مرور أربع سنوات على جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، أي أن القيادات لم تسارع الى "الحسم". في ذلك اليوم "أعطت" هذه الجماهير قياداتها تفويضاً متجدداً حسمت به ومعه مسألة جوهرية وهي أن شارع الأكثرية لا يزال معها، وأن لا معنى لأي مشروع لا يرقى إلى مستوى التغيير الذي ينشده مليون ذلك اليوم الكبير في مسيرة انتفاضة الاستقلال واذا لم يكن بحجم دماء وتضحيات الشهداء.
صحيح أن الانتخابات النيابية المقبلة أولوية داهمة، وصحيح أيضاً أن لكل فريق ضمن الأكثرية حساباته ومصالحه و"حجمه" فيها، وصحيح أيضاً وأيضاً أن لكل طرف تقديره لـ"الظرف" و"المرحلة" ومدى انعكاس التطورات أكثر أو أقل على هذا أو ذاك من الفرقاء.. لكن هل صحيح أن نوعاً من الاسترخاء حاصل في صفوفها، وكأنها وصلت الى الذروة أو أنها حسمت تفوقها في معركة الانتخابات حتى قبل أن تحصل، وأن الوضع بات يسمح بـ"اختلافات بينيّة"؟
لكن في المقابل، فأن الأصح من كل ذلك، أن القوى الاستقلالية لا تزال تملك الكثير من أوراق القوة الأساسية هي نقطة ديمومة استمرار دينامياتها الشعبية – ومن أهمها المضي حتى النهاية في معركة تكريس استقلال لبنان وسيادته وعدم التنازل عن هذا الخط الذي تريده غالبية اللبنانيين بما لا يمكّن أي طرف داخلي أو خارجي من خطفه من قناعاتهم أو تزوير الحقائق التي أرستها دماء الشهداء الذين سقطوا منذ جريمة 14 شباط الارهابية. هذه الحقائق، بعيداً عن ثغرات تنظيمية قد تكون شابت عمل 14 آذار وتفترض ضرورة اجراء مراجعة جدية لها قبل استحقاق 7 حزيران، كافية للرد على كل أفكار التشويش ومناورات الدعاية، وصالحة أيضاً لتكون توجهاً عاماً للمعركة الانتخابية كما كانت على مدى السنوات الأربع سقفاً لمعركة الاستقلال.
الجمود في محيط متغير
من الضروري، بداية، التنبيه الى أنه لم يعد خافياً أن ترتيب الأوراق الانتخابية داخل فريق 14 آذار لا يقل اهمية وخطورة عن موجبات المعركة السياسية والانتخابية المفتوحة بين مجمل اطراف هذا الفريق وخصومه، بل ان المسألة التنظيمية لدى الأكثرية في ما تبقى من مهلة قبل الانتخابات، تتقدم على ما عداها من أمور وتفصيلات، لا يكفي معها القول ان الأكثرية تذهب الى الاستحقاق متسلحة ببرنامج موحد، فيما التوحد على لوائح وأسماء مرشحين واستراتيجيات كاملة لإدارة المعركة لا يزال قيد التداول.
لا تثار هذه المسألة من واقع المعركة الانتخابية فحسب، أو من زاوية "فائض المرشحين"، بل أيضاً من واقع إقبال بعض القوى الأكثرية تحديداً على احتدام سياسي وانتخابي قد لا يكون مسبوقاً في حدته ما دام الاستحقاق الانتخابي يصور للناس انه بات محصوراً ضمن بيئات معينة. وللتذكير فان قوى 14 آذار مرّت في السابق باختبارات تنظيمية داخلية متصلة باستحقاقات سياسية عكست ضعفا بنيوياً لديها لم يكن فيه الاداء السياسي على المستوى المبدئي الذي ترفع لواءه هذه القوى، وشكل ذلك نقطة رهان أساسية لدى الكثير من قوى 8 آذار والقوى الاقليمية الحليفة على انفراط عقد فريق الغالبية وتداعيه تحت وطأة الحسابات المصلحية الذاتية لكل من اطرافه في المعركة الانتخابية المقبلة.
وفي تقدير أوساط متابعة، أن الأهم يتمثل في ان "التصويب" باتجاه العناوين المكررة في "محيط شديد التسارع نحو التغير" لم يعد أساسياً بـ"الجملة" في وقت تسمي سوريا سفيرها في لبنان، ويتكاثر الحراك الاقليمي نحو بلورة تقارب ممنهج، وتتقدم أولوية الأزمة المالية العالمية على جدول اهتمامات قادة العالم، فيما مؤشرات الوضع الإسرائيلي لا توحي بالاطمئنان مع عودة اليمين المتشدد الى الحكم.
ماذا يعني ذلك؟ يعني ان "التصويب" على سلسلة عناوين "مستهلكة" لم يعد "يحرز"، خصوصاً ان دينامية الأكثرية كانت تتغذى في فترة معينة من أخطاء سوريا والقوى التابعة لها ومواقفهما بشكل رئيسي. وبطبيعة الحال، فإن البعض قد يذهب، هنا، الى اعتبار ان الأكثرية انتهت بانتهاء مطالبها أو شعاراتها. غير ان ذلك ليس صحيحاً على الاطلاق، لأن القوى الاستقلالية هي بحكم المشروع الذي يحمل، الحكم المقبل الرشيد، مشروع الدولة والطائف، مما يتطلب أكثر من أي وقت مضى، وحدتها شكلاً ومضموناً، لوائح وبرامج.
الحريري وما بعد 7 حزيران
اذاً، ثمة ظرف موضوعي بدا معه ان الأكثرية مسترخية او كأنها اكتفت بمؤشرات حدث 14 شباط. لكن هذا التوصيف الذي يستند الى "الظاهر" من الأمور، ليس دقيقاً. ذلك ان الأكثرية، تعيش منذ مؤتمر "البيال" هاجس ترجمة حشد 14 شباط 2009 الى انتصار دستوري في 7 حزيران، بما يقتضيه ذلك من مقتضيات حُسن إدارة المعركتين السياسية والانتخابية.
هذا الامر أدركه رئيس "تيار المستقبل" النائب سعد الحريري، فهو على قناعة بأن ما بين 14 آذار والانتخابات لا يمكن ملؤه بخطوات غير قابلة لـ"الصرف السياسي"، وهو على قناعة أيضاً بأن الانتخابات كي تحصل ابتداء- ولكي تربحها الأكثرية انتهاء- ولكي يجري البناء على نتائجها دستورياً بما يتناسب مع توازن القوى السياسي الجديد، تستلزم اعتبارها "مصيرية" وفق مفهوم "ميثاقي وطني" يحقق الاستقرار السياسي، أي غير المعنى الذي قد يتبادر الى الذهن لحظة إطلاق مفردة "مصيرية".
فالنائب الحريري شدد من لندن على ان "جدول أعمال الحياة السياسية اللبنانية يجب أن يتبدّل بعد 7 حزيران"، فبعد هذا التاريخ "يجب أن نبحث عن قواسم مشتركة تمكّن الدولة في لبنان من مواجهة كل التحديات سياسية واقتصادية وأمنية واجتماعية". وإذ أكّد أنّه من القائلين إنّ الانتخابات النيابية مصيريّة، شرح مصيريّتها على أنّها "ليست بمعنى الفوز أو الخسارة أو بمعنى انتصار هذا الفريق على ذاك"، بل انها مصيريّة "بما ستؤول إليه من تجديد لحيويّة النظام الديموقراطي وتفعيل المؤسسات الدستوريّة استناداً الى ما جرى التوافق عليه في الطائف(..)".
التصور المشترك ..وإلا
إذا، من الضروري، والحال هذه، أن تشهد الايام القليلة المقبلة توكيداً عملياً على وحدة الأكثرية وإطلاقاً متجدداً للتعبيرات عن هذه الوحدة، من منطلق ان 14 آذار بحاجة الى ترجمة حضورها الشعبي دستورياً من دون تأخير، ومن الطبيعي جداً أن يكون ثمة إدارة جماعية لقيادات الأكثرية لهذا الملف بما يعزز التنسيق بين مكوناتها. لكن من المنطقي أكثر أن تتوصل هذه الروافد الى تصور في ما يتعلق بالمرحلة المقبلة، إذ ليس مقبولاً أن تدور الحياة دورتها ليعود الوضع اللبناني إلى صورة ما كان عليه في المرحلة الماضية. والنقاش يجب أن يشمل عناوين رئيسية تحت سقف اتفاق الطائف: مشروع الدولة، دور لبنان في محيطه، التزاماته في الصراع مع إسرائيل، أزمته الاقتصادية، الاصلاحات الضرورية في السياسة والإدارة والأمن.. وصولاً الى حسم الموقف من "بدع" المرحلة السابقة في تشكيل السلطة وإدارة الخلاف السياسي.
من هنا القول إن الذهاب الى الانتخابات يقتضي الى جانب البرنامج الانتخابي الموحد، رؤية مشتركة لكل العناوين التي ستكون مطروحة بقوة بعد الانتخابات، وعليه فالنائب الحريري محق تماماً في توصيف الاستحقاق بـ "المصيري".
وخلاصة القول إن خروج شارع الأكثرية من الهواجس والتساؤلات يتطلب مبادرة قياداتها الى لملمة هذه الهواجس وتبديدها، ويقتضي تصوراً منها للمرحلة المقبلة يحمل الأمل الى اللبنانيين بأن ثمة كتلة لبنانية ستضمن تنفيذ الطائف وتعيد اليهم الثقة بوطنهم ومستقبلهم، لأن الانتصار إن لم يكن للاستقلاليين الميثاقيين فهو انتصار مهدور.