فقدان أسامة سعد النيابة بمثابة فقدانِ لروح "حزب الله" في المدينة:
"غضبة" 8 آذار من أجل مقعد صيدا الثاني!
الانطباع السائد في عاصمة الجنوب أنها تتجه نحو معركة انتخابية. لكن الأدق أن المعركة تقتصر على مقعد واحد، هو المقعد الذي يشغله حالياً النائب أسامة سعد، على اعتبار أن المقعد الذي تشغله الوزيرة بهية الحريري محسوم لصالحها بكل الحالات، وبغالبية مريحة، بعدما فُصلت صيدا عن محافظة الجنوب انتخابياً.
مقعد صيدا الثاني
في محاولة احتفاظه بمقعده في صيدا، طرح النائب أسامة سعد "التوافق من أجل تجنيب المدينة معركة انتخابية". ولما كان من المعروف أن التحالف الانتخابي بينه وبين الوزيرة الحريري غير وارد إطلاقاً، فيكون معنى التوافق أن تترك النائب بهية الحريري المقعد الثاني للنائب أسامة سعد، كهدية مجانية له، وهي التي تحظى منفردة بأكثر من نصف أصوات الناخبين في المدينة. بطبيعة الحال لم يكن هذا العرض مقبولاً، رغم محاولة عدد من الأصدقاء المشتركين تسويقه تحت عنوان "المزاج الصيداوي". لم يمضِ وقت طويل حتى أبلغت الوزيرة بهية الحريري ماكينتها الانتخابية الاستعداد لمعركة على المقعد الثاني في المدينة، وقد طـُرحت أسماء عديدة لشغل هذا المقعد، لم يكن مصدرها مجدليون، وكان من بينها الرئيس فؤاد السنيورة، لا سيما بعد تكريمه في صيدا، من قبل "الشبكة المدرسية لصيدا والجوار".
سقط خيار التوافق، واستنفر فريق الثامن من آذار نفسه لنصرة أسامة سعد، فاعتبرت "حركة أمل" زيارة السنيورة إلى مدينته استفزازية!، وقال عضو "كتلة التنمية والتحرير" عبد المجيد صالح: "لا نهنئ المكرم في صيدا ولا نشجع ولا نحبذ مثل هذا الاستفزاز السياسي"!، كما قام "حزب الله" بزيارة دعم إلى النائب سعد، وحاول الأخير بدوره رفع معنويات جمهوره في ذكرى والده الشهيد، لكن الحشد لم يكن مُرضياً، وكان أكثره من خارج المدينة، وقد زادته سوء الأحوال الجوية هزالةً. وفي وقت لاحق دخل الرئيس نبيه بري بشكل مباشر على خط الجهود لإبقاء مقعد صيدا الثاني مع أسامة سعد، كما عرض "حزب الله" من خلال وسطاء المقايضة على "تيار المستقبل"، بمعنى أن يسهّل "تيار المستقبل" لأسامة سعد احتفاظه بمقعد صيدا الثاني مقابل أن يحترم الحزب اتفاق الدوحة بشأن دائرة بيروت الثانية، أو أن يعطي الحزب "تيار المستقبل" مقعداً في منطقة أخرى يصعب عليه الفوز فيها… لكن المقايضة فشلت أيضاً، لأن اتفاق الدوحة نص على اقتسام مقاعد دائرة بيروت الثانية مناصفة وبلا شروط، فضلاً عن الرمزية التي تمثلها صيدا لـ"تيار المستقبل"، خصوصاً بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري.
الضغط والتحريض والتخويف
بعدما بدا واضحاً أن الأمور تتجه نحو معركة انتخابية، على غرار معركة العام 2004 البلدية، التي رفض فيها النائب أسامة سعد وأجهزة المخابرات التوافق يومها، رغم التنازل الكبير للرئيس رفيق الحريري، انتقل النائب أسامة سعد وحلفاؤه إلى محاولة الضغط من أجل إرغام "تيار المستقبل" على ترك المقعد الثاني في المدينة له. محاولات "الوساطة" كانت فجة، ما حدا بالمرشح علي الشيخ عمار، المتضرر أصلاً من التوافق، إلى القول "نحن نقول لهؤلاء الوسطاء أنتم غير مرحب بكم في صيدا، المدينة تذكر أخطاءكم وافتراءاتكم عليها، اكتفوا بمناطقكم ومشاكلكم تكفيكم. صيدا ليست بحاجة الى وساطتكم"، غامزاً من قناة "حركة أمل" و"حزب الله". ولم تمضِ ساعات على هذا الكلام حتى عقد الشيخ ماهر حمود، الذي لم يتناوله أحد بالنقد!، مؤتمراً صحافياً، شنّ فيه أقسى هجوم له منذ سنوات على "الجماعة الإسلامية" مطالباً إياها بـ"العودة إلى مكانها الطبيعي في صف المقاومة"، وداعياً إلى "تزكيةٍ تكون نموذجاً لكل لبنان، لا يترشح فيها إلا السيدة الحاجة بهية الحريري والدكتور أسامة سعد"!، وقد استضافت قناة "المنار" في الأسبوع نفسه حمود ليكمل شرحه لفكرة "التوافق"، من دون أن يوفر "الجماعة الإسلامية" من النقد المسفّ.
وإلى جانب هذا الضغط الكبير، تلقت أوساط على علاقة بانتخابات صيدا، تهديدات من قبيل أن "حزب الله لن يسمح بانكشاف ظهره في صيدا بوابة الجنوب"، كما أشاع مناصرو النائب سعد كلاماً مفاده أنه من الأحسن لمدينة صيدا ألا تحصل مشاكل "لأن البلد ستخرب إذا سقط سعد في الانتخابات". أما سعد نفسه فعاد إلى هوايته في التخوين فاتهم "تيار المستقبل" بممارسة "الغطرسة المالية والتحريض الطائفي"، مضيفاً في معرض انتقاده تكريم "المستقبل" لمقاومين: "ليعرف شباب لبنان وشباب صيدا أن هناك قوى صعدت خلال الاحتلال وتعاملت معه وتريد الآن أن تركب الموجة وتسرق الإنجازات الوطنية التي حققتها المقاومة. نحن نعرف أن هناك من تعامل وتواطأ وما زال مع قوى الاحتلال ومع عدو الأمة والوطن"!.
ما سر "الغضب" لأجل سعد!؟
ما هو واضح من مجريات الأحداث والمواقف أن فريق الثامن من آذار بقيادة "حزب الله" مستـَنفَر من أجل أسامة سعد، وكأن احتمال فقدانه للمقعد الانتخابي يعادل احتمال فقدان "حزب الله" لروحه في المدينة، لدرجة أن الحزب مستعد أن يعطي من "حسابه" في دوائر أخرى مقابل ترك المقعد الصيداوي لحليفه.
وفي علم السياسة هذا لا يكون إلا لمن يعطي الحزب أكثر مما يمكن أن يعطيه نوابه أنفسهم. وهذا ينطبق فعلاً على مقعد صيدا الثاني. فأسامة سعد يلعب دورين أساسين في المدينة لصالح "حزب الله"؛ الأول هو تغطية "نفوذ" و"تحركات" الحزب، العسكرية والأمنية والسياسية، في مدينة بالغة الحساسية، باعتبارها بوابة الجنوب، وحاضنة أكبر المخيمات الفلسطينية، ومسقط رأس آل الحريري وآل السنيورة. والثاني أنه يغطي مواقف "حزب الله" من صيدا، (منذ انسحاب الوزراء الشيعة من الحكومة بعد حرب تموز، فمرحلة التعطيل والتشكيك في شرعية الحكومة، وصولاً إلى السابع من أيار). والرجل فوق ذلك، يتمتع بحيثية شعبية ولو أنها تقلصت- أكثر من الواجهات السنية الأخرى، وقد ورث هذه الحيثية عن شقيقه مصطفى، ومن قبله عن والده الشهيد معروف سعد، بما يجعله الحليف السني الأهم في فريق يحتاج إلى حلفاء نادرين – من السنّة، حتى يصح زعم هذا الفريق أنه يمثل كل ألوان الطيف اللبناني.
معركة صيدا الانتخابية
الراهن أن ثمة كلاماً "موجَهاً" عن "المزاج الصيداوي" المحبـِذ للتوافق، لكن الحقيقة أن "المزاج الصيداوي" يحبذ أولاً التعبير عن نفسه، بعد نحو عشرين سنة كان فيها ملحقاً بدائرة انتخابية واسعة ترى فيها عاصمة الجنوب أنها لا تنتخب نوابها، إلا بالتحالف مع إحدى قوتين، "أمل" أو "حزب الله" أو كلاهما معاً في حالات التوافق. إنها المرة الأولى التي "تستقل" فيها صيدا باختيار نوابها، لذا فإن ثمة حساسية لدى أبناء المدينة من التدخلات المستمرة في الشأن الصيداوي. كما أن الناخبين في صيدا سئموا من حالة "اللاوفاق المستمر" بين نائبي المدينة، لدرجة يتعذر معها اجتماعهما في لقاء واحد، الأمر الذي ينعكس سلباً على مصالحهم وعلى تنمية مدينتهم.
والواقع أن فريق النائب أسامة سعد من حقه أن يخوض المعركة الانتخابية في صيدا، وعلى الفريق الآخر أن يهنئه إن فاز. هكذا تقتضي اللعبة الديموقراطية التي ارتضاها الجميع. أما أن يلجأ النائب أسامة سعد و"مَن حوله" إلى تخويف الناس من عظائم الأمور، إن فشل في الاحتفاظ بمقعده النيابي، فهذا أمر لا يصح، فضلاً عن أنه لا "يمشي" مع الصيداويين المعروفين منذ فجر التاريخ بـ"إباء مفرط"، وإذا كان ثمة "عراضات انتخابية" على قانون الستين، فينبغي أن توجه إلى حلفاء النائب أسامة سعد الذين طالبوا بهذا القانون وجعلوا من الحصول عليه في اتفاق الدوحة انتصاراً لهم!، إذ على هؤلاء الحلفاء أن يرضوا باحتمال خسارتهم مقاعد كانت لهم، كما يرضى الفريق الآخر اليوم باحتمال خسارة مقاعد كانت معه، بلا تهديد ومن دون وعيد.
بقي أن النائب أسامة سعد يلعب على مشاعر الناخب الصيداوي بحديثه عن "احتكار" فريق واحد لتمثيل المدينة، الأمر الذي قد يكون (إذا ترشح الرئيس السنيورة مثلاً) وقد لا يكون، لكن ماذا لو كان المقعد الثاني في المدينة مع طرف حليف لـ"تيار المستقبل"، حزبياً كان أو عائلياً، ولم يكن مع التيار نفسه؟! وهل يتقبّل أسامة سعد فكرة خوض معركة "نظيفة"؟ لعل هذا ما يريده الناخب الصيداوي من ابن الشهيد معروف سعد بالفعل… وبعد ذلك ألف مبروك لمن يربح!.