جريمة اغتيال مدحت لن تكون الأخيرة مع غياب الحوار الفلسطيني الداخلي ومع لبنان
في خضم الإنهماك اللبناني في موضوع التحضير للانتخابات النيابية، أطل الموضوع الامني برأسه من جديد من الباب الفلسطيني من خلال الجريمة التي أودت بحياة القيادي الفلسطيني كمال مدحت ليرفع من منسوب الارباكات التي تتحكم بالساحة الداخلية اللبنانية نتيجة الانقسامات السياسية التي تضرب فيها طولاً وعرضاً.
وبغض النظر عن الهدف من الجريمة والمستهدف بها، فإن مجرد وقوعها في هذه الفترة التي يحاول فيها لبنان استعادة عافيته التي اصيبت بانتكاسة كبيرة نتيجة ما تعرض له في السنوات الثلاث الماضية، يضع المسؤولين اللبنانيين كما الفلسطينيين امام مسؤولياتهم في الاسراع بالإمساك بهذا الملف والحؤول دون الوقوع في فخ الفتنة التي تتغذى على الصراع الداخلي والنفخ الخارجي.
وما يبعث على الخوف هو هذا الانفلات الذي أصبح من سمات المخيمات الفلسطينية خصوصاً في الجنوب نتيجة الانفلاش العسكري الذي يفتقد الى الضوابط المطلوبة التي تجعله لا يخرج عن مساره. ومن هنا تأتي أهمية إعادة إحياء الحوار اللبناني – الفلسطيني الذي يجب ان يسبقه او يوازيه حوار فلسطيني – فلسطيني يضع في اولوياته المحافظة على امن المخيمات لتجنب الوقوع بحرب شبيهة لمخيم نهر البارد التي دفع لبنان والشعب الفلسطيني على السواء أثماناً باهظة في الارواح والممتلكات ناهيك عن الثقة التي تزعزعت الى حد الانتفاء بين الجانبين، الى جانب لما لوقوع مثل هكذا حدث من تأثيرات على لبنان الذي يتهيأ لخوض غمار الانتخابات النيابية، حيث لا تخفي مصادر سياسية مطلعة خشيتها من ان يؤدي أي حدث أمني في داخل المخيمات او بين أي مخيم ومحيطه الى تعطيل هذه الانتخابات التي تعد محطة اساسية وهامة للبنان في هذه المرحلة.
وانطلاقاً من هذه المخاوف والهواجس فإن المصادر السياسية التي تعتبر ان المخيمات الفلسطينية على مساحة لبنان من جنوبه الى شماله مروراً بعاصمته وبقاعه هي بمثابة القنبلة الموقوتة المعدة للانفجار في أية لحظة وأن السبيل الوحيد لنزع صاعق تفجيرها هو أولاً الاحتكام الى العقل في معالجة أي حدث طارئ، وثانياً الإسراع الى فتح قنوات الحوار الفلسطيني الداخلي الذي كان قد قطع شوطاً وتوقف بفعل الانقسام الفلسطيني الذي حال دون الاتفاق على وفد موحد لمحاورة الجانب اللبناني، اما المسألة الثالثة المساعدة في ابعاد شبح الصراعات عن المخيمات وبينها وبين محيطها هي محاولة تنفيذ ما اتفق عليه على طاولة الحوار في العام 2006 في ما خص معالجة السلاح الفلسطيني في داخل وخارج المخيمات والذي عاد قادة الحوار وأكدوا عليه في الحوار المستمر في قصر بعبدا.
وفي تقدير المصادر ان جريمة اغتيال القيادي كمال مدحت وما سبقها بليلة واحدة من اشتباكات داخل مخيم المية ومية والذي وقع فيها شهيدين فلسطينيين تشكل جرس انذار للمسؤولين اللبنانيين والفلسطينيين في وضع المخيمات تحت المجهر وعدم الاستخفاف بأي حادث مهما كان نوعه باعتبار ان التراكمات قد تولد الانفجار الواسع في حال وقوعه لا سمح الله فإن شظاياه ستتناثر على ساحة كبيرة من لبنان وستصيب القضية الفلسطينية في الصميم وتجعل الملف الفلسطيني اكثر تعقيداً سيما وأن الايام المقبلة لا تحمل أية تباشير خير في ظل اقتراب اليمين المتطرف من الامساك بزمام السلطة في اسرائيل، وهو ما يعني ان المفاوضات الاسرائيلية – الفلسطينية ستوضع على الرف لفترة زمنية ليست بقصيرة كون ان الحكومة الاسرائيلية المرتقبة ستضم وزراء لا يؤمنون اصلاً بمبدأ الحوار مع الفلسطينيين او مجرد التفكير في قيام دولة فلسطينية، بل هناك من سيأتي إليها يحمل شعار ترحيل فلسطينيي 48 والاستيلاء على كامل فلسطين بما فيها غزة والقطاع.
وتعرب المصادر عن اعتقادها بأن الظرف مؤات لوضع الملف الفلسطيني في لبنان على مشرحة النقاش في ظل التقارب العربي – العربي الحاصل والذي يشكل أداة فاعلة في تفكيك العقد الموجودة والتي حالت الى الآن دون مقاربة هذا الملف بشكل فعلي إن على المستوى الفلسطيني – الفلسطيني او على المستوى اللبناني – الفلسطيني، لأنه وكما هو معلوم فإن هذا الملف متشعب جداً وتتداخل فيه الكثير من العوامل الاقليمية وحتى الدولية.
وتؤكد المصادر ان الموضوع الفلسطيني الداخلي سيكون حاضراً بقوة على طاولة القمة العربية المزمع انعقادها في الدوحة مطلع الاسبوع المقبل، بعدما تمت معالجة العديد من الخلافات العربية من خلال الاتصالات والمشاورات والزيارات المتبادلة التي حصلت في الاسابيع القليلة المقبلة، وهو ما يبعث على التفاؤل بإمكانية اعادة القضية الفلسطينية الى مكانتها عند العرب واعتبارها قضيتهم المركزية، بعد ان فعلت الخلافات العربية فعلها وجعلتها تسقط من على سلم الاولويات العربية لسنوات عديدة.
وتتوقع هذه المصادر ان تشهد المخيمات الفلسطينية في الايام القليلة المقبلة سباقاً محموماً بين حركة الاتصالات والمشاورات الآيلة الى تهيئة الارضية المناسبة للحوار الداخلي وبين شبح الانفجار الذي يرخي بظلاله على هذه المخيمات التي تزدحم بالملفات الخلافية القابلة للاشتعال في أي وقت، فطالما تفتقد هذه المخيمات الى المرجعية الموحدة، وطالما ان حوار الطرشان هو المتحكم بين المنصبين انفسهم قادة على الاحياء والازقة، فإن الخوف سيبقى موجوداً من أن تحقق الفتنة مبتغاها على حساب الفقراء والمساكين من الشعب الفلسطيني الذي لم يعد في مقدوره ان يذرف الدمع وينزف الدم من اخيه وعدوه على السواء.
حسين زلغوط