تأكيد حرصها على سيادته واستقلاله لا يلغي المخاوف والتساؤلات
هل تعقد أميركا صفقة على حساب لبنان أم لأجله ؟
رغم تأكيدات المسؤولين الاميركيين المتكررة ان لا صفقة على حساب لبنان السيد الحر المستقل بنتيجة الانفتاح على سوريا وايران، فان سياسيين مخضرمين ممن مروا بتجربة اختبار السياسة الاميركية في لبنان والمنطقة وسمعوا كثيرا مثل هذه التأكيدات خلال عهود اميركية متعاقبة فوجئوا اكثر من مرة بان السياسة الاميركية البراغماتية تتعاطى في نهاية الامر مع الامر الواقع عندما تعجز عن تغييره وان مصالح الدول الكبرى هي التي تتقدم على مصالح الدول الصغرى في نهاية المطاف.
ويعود هؤلاء بالذاكرة الى زمن السبعينات والثمانينات عندما كانت الولايات المتحدة الاميركية تحاول حل القضية اللبنانية بمعزل عن قضايا المنطقة وتحديدا القضية الفلسطينية فأرسلت الى لبنان قوة متعددة الجنسية وقطع حربية بحرية على رأسها المدمرة نيو جرسي. وما ان تعرضت القوة الاميركية والفرنسية لتفجيرات ارهابية استهدفت مقارها وسقط فيها مئات القتلى والجرحى، حتى ردت على ذلك بمغادرة لبنان… وكان قد سبق هذه التفجيرات تعرض مبنى السفارة الاميركية في بيروت لعملية ارهابية دمرت القسم الكبير منه.
وعندما وقعت الحرب بين لبنانيين مسلحين وفلسطينيين مسلحين، ثم بين اللبنانيين انفسهم ودامت ما يقارب الـ15 عاما من دون ان تحسم تمكنت القوى الفلسطينية من الضغط بقوة على المناطق المسيحية مؤكدة بتصريحات قادتها "أن طريق القدس تمر بجونيه وان الحرب مستمرة حتى سقوط النظام اللبناني"… كان همّ زعماء مسيحيين معرفة ما اذا كانت الولايات المتحدة الاميركية سترسل قواتها العسكرية الى لبنان للامساك بالوضع، فكان الجواب ان ارسال مثل هذه القوات غير وارد وان امامهم اما الاستسلام او الهجرة او القبول بدخول القوات السورية الى لبنان لوقف الزحف الفلسطيني اليساري، وتجنب الكارثة.
وكانت سوريا قد بدأت لعبتها في لبنان عبر منظمة الصاعقة في اكثر من موقع لمساعدة "الحركة الوطنية" الامر الذي حمل الرئيس سليمان فرنجيه على اجراء استشارات واسعة مع الفاعليات السياسية قبل طلب دخول الجيش السوري الى لبنان كي لا يتحمل وحده مسؤولية هذه الخطوة.
وجاء في مذكرات فؤاد بطرس: "أن خيار طلب تدخل الجيش السوري هو الوحيد المتاح بعدما طرق الرئيس سليمان اكثر من باب ولم تسفر كل المساعي الديبلوماسية عن نتيجة ولم يعد ثمة حل سوى دخول السوريين لوضع حد لتقدم الفلسطينيين". فقال الوزير فؤاد بطرس للرئيس سليمان: "ما من حل آخر امامك. سيدخل الجيش السوري الى لبنان ولكن يعلم الله فقط متى سينسحب"… وكانت الولايات المتحدة الاميركية تواصل تأكيد حرصها على وحدة لبنان وسيادته واستقلاله وسلامة اراضيه بلسان غير مسؤول فيها.
وقد تبين في ما بعد ان لدخول الجيش السوري الى لبنان ليس مهمة وقف الاقتتال بين اللبنانيين فحسب بل اخراج المقاتلين الفلسطينيين منه بعدما عجزت الحرب الطويلة في لبنان عن إلحاق الهزيمة بهم وبعدما تعذر منع منظمة التحرير الفلسطينية من اي عمل عسكري على كامل الاراضي اللبنانية، ونزع سلاحها وإلغاء الاتفاقات المعقودة بين الدولة اللبنانية وبينها. وفي 21 آب 1982 بدأت عملية انسحاب المقاتلين الفلسطينيين من لبنان الى تونس بعد حروب استمرت 15 عاما وتصفية سياسية وجسدية لمن تعاون معهم، وبدأت بعدها الوصاية السورية على لبنان التي استمرت 30 عاما ثمنا لما كلفت سوريا القيام به…
هذا المشهد السياسي الاليم جعل السياسيين المخضرمين انفسهم يتساءلون هل يعيد التاريخ نفسه، بحيث تعقد الولايات المتحدة الاميركية صفقة مع كل من ايران وسوريا تعطي لها دورا في لبنان وبعض دول المنطقة وتحديدا العراق وافغانستان بحيث يساعد هذا الدور على تحقيق الامن والاستقرار ومكافحة اعمال العنف والارهاب، وهي الاعمال التي تتهم الولايات المتحدة الاميركية ودول اوروبية ايران وسوريا برعايتها وتمويلها وايواء العناصر التي تقوم بها، فوصفتهما بمحور الشر… بعدما عجز الغرب وعرب الاعتدال عن وقف هذه الاعمال ولم يعد سوى ايران وسوريا من يستطيع ذلك؟!
الواقع انه اذا كانت ايران تريد ان يكون لها دور في المنطقة من خلال ان تصبح قوة نووية اسوة بغيرها من الدول، فان الولايات المتحدة الاميركية ومعها دول الاتحاد الاوروبي مستعدة لإعطائها هذا الدور من دون اسلحة نووية ودبابات وصواريخ، ويكون هذا الدور جزءا من "استراتيجية الخروج" من افغانستان التي تحدث عنها الرئيس الاميركي اوباما، وبعدما صار اتفاق على جدول للخروج العسكري الاميركي من العراق، وبات الدور المطلوب هو الدور الذي ينبغي ان تقوم به دول الجوار بعد هذا الخروج.
واذا كان لبنان قد عجز حتى الآن عن اقامة الدولة القوية القادرة على بسط سلطتها على كل اراضيها وان لا يبقى سلاح غير سلاحها ولا سلطة غير سلطتها ولا قانون غير قانونها، كما عجز عن تنفيذ القرارات الدولية ولا سيما القرار 1701 الذي يساعد تنفيذه كاملا على قيام هذه الدولة، فان سوريا مستعدة من خلال انفتاح الولايات المتحدة الاميركية ودول الاتحاد الاوروبي عليها والخروج من عزلتها العربية والدولية، لان تلعب الدور الايجابي في لبنان بالتنسيق والتعاون مع ايران ومع الدول العربية المعنية بوضعه. وهذا يتطلب انتظار نتائج الانتخابات النيابية المقبلة للبحث في تشكيل حكومة وحدة وطنية ايا تكن النتائج، فلا يقوم خلاف لا على تشكيلها ولا على ما ينبغي ان يتضمنه بيانها الوزاري، لان هذا البيان سوف يجعل الحكومة بجميع اعضائها تلتزم توفير كل اسباب مقومات قيام الدولة القوية القادرة وتنفيذ القرارات الدولية ولا سيما القرار 1701 ومقررات مؤتمر الحوار الوطني التي اتخذت بالاجماع وحال سوء العلاقات مع سوريا دون تنفيذها. ومع عودة هذه العلاقات الى طبيعتها يصير في الامكان تنفيذ كل ذلك ومعالجة موضوع السلاح خارج الشرعية بما فيه سلاح "حزب الله" خصوصا مع استئناف المفاوضات مع اسرائيل التي قد تنتهي باتفاق على الانسحاب من الجولان ومن مزارع شبعا، وبالموافقة على قيام دولة فلسطينية الى جانب الدولة العبرية، لان لا حل غير هذا الحل سواء مع حكومة نتنياهو او اي حكومة اسرائيلية اخرى. فهل يمكن اذا ما تحقق كل ذلك بمثابة صفقة بين الولايات المتحدة الاميركية وسوريا وايران على حساب لبنان ام صفقة لأجل لبنان كي يبقى سيدا حرا مستقلا ومستقرا؟