#adsense

على عتبة الانتخابات اللبنانية: 14 آذار أمام الامتحان

حجم الخط

على عتبة الانتخابات اللبنانية: 14 آذار أمام الامتحان

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية في السابع من حزيران (يونيو) المقبل، تنتهي مهلة التقدم بطلبات الترشيح قبيل العاشر من نيسان (ابريل)، لتجد الأكثرية الحالية نفسها امام الامتحان. فليس ما يشير، رغم التوكيد على مفصلية الاستحقاق، الى ادارة التنوع بشفافية وتجرد ملحوظين. وكانت الأمانة العامة لقوى 14 آذار قد لوّحت باعلان لائحة المرشحين كاملة على دفعة واحدة، ما يبدو الآن بعيد المنال، اذ بادرت أطراف من صلبها الى اغلاق لوائحها في دوائر انتخابية معيّنة، فيما التنافس على أشدّه بين المكوّنات للخروج بحصص وافية، وانفتحت شهية بعضها على الغلوّ في اقتناص المقاعد.

في الأساس، من الطبيعي أن تأخذ الحماسة الأفرقاء جميعاً الى تزاحم مشروع ومعهود، سوى أن الأمر بات تدافعاً ومحاولة ظاهرها اقتسام الكعكة بأساليب لا ترتقي الى مستوى الآمال المعقودة على الفريق السيادي وحجم التضحيات التي كابدها لاحتواء الصراع الداخلي والعبور بسلام نحو صناديق الاقتراع. المؤسف تجاهل المردود السلبي للمارسات القائمة، وتعريض الغالبية لانتكاسات قد تطيح بجوانب من الهندسة المُتأنية التي رافقت مسيرة العمل الجبهوي والتكاتف ضمن 14 آذار، وتعدو بها الى توليفات تقليدية ووجبات جاهزة يجري اعدادها في غرف مغلقة، وعبر مساومات، لا تتجاوب مع انتظارات القواعد او تفي بشروط حسن الاختيار.

تواجه قوى 14 آذار معضلة حقيقية في الخروج من التقليد الجامد، وطلاق النمط المحافظ في الأداء وبلورة الخيارات. ولئن بدا التحكيم شائكاً بطبيعة الحال، نظراً لتعدد الكيانات السياسية المنضوية تحت مظلة ثورة الأرز، فذلك يمنح أسباباً تخفيفية، ولا يعفي من مساءلة ونقد حيال ضبابية مركز القرار وكيفية حسم المنازعات الجزئية ولجم التهافت، وبالأخص في ما يتناول اعلاء شأن السياسة بالمعنى النبيل، وإعطاء صورة معاصرة للعمل السياسي كما يتوخاه الاستقلاليون والديموقراطيون بعامة. فمن المُـلِحّ، أو بالأحرى انه أضعف الايمان، وضع حد للمناوشات الجارية ولتسريب الأخبار من مصادر فئوية، ناهيك عن اللزمات والوكالات المحلية السائرة على نهج المقايضة والاستنساب.

دون هذا السعي، قد تتكرر أخطار قاتلة مفاعيلها التشرذم، ولو المحدود، وانعدام الضبط، وما هو أخطر، عنيت لا مبالاة الناخبين، وربما حرد شريحة من مؤيدي 14 آذار وعزوفها عن المساهمة النشطة في الحملة الانتخابية ومن ثم عملية الاقتراع.

إن إدلاء الغالبية بعامل الضرورة ذريعة قاصرة، وهدية مجانية لخصومها بالذات. فالمسلك البائن لتاريخه باهت، خالٍ من مقوّمات المنعة الديموقراطية، خجول في مقاربته للقضايا الاجتماعية والاصلاح. ويخشى ان يؤول الانفراج في الساحة العربية، واستيلاده استطراداً تهدئة في الحقل الداخلي، الى تمييع فصول من البرنامج الوطني وتدوير للزوايا، فيأتي بنتائج عكسية على صعيد وضوح الخيارات والفوارق عن جبهة الممانعة واختلاف المحددات. فبين معاينة المعادلة الاقليمية (والترحيب الصادق بكل خطوة تهدف الى توحيد الصف العربي) والقعود في تسوية تنزع عن الانتخابات مدلولاتها وتمضي في استئخار وظائف الدولة ومؤسساتها، بون شائع يُفرط بالارادة الشعبية وينحني امام شل المبادرات وتعطيل عجلة الحكم. تماماً، كما ان التوحّد ضمن حاضنة 14 آذار قد ألزمها مراعاة خصوصيات أركانها، وقوالب مكوناتها وأفقدها بالتالي قوة التجديد والجرأة في صوغ مراميها وإبراز الوجه المدني، عصب ثقافتها ومحرك مسارها. فكما لو ان ضريبة الواقعية قد استحالت أتاوة مرغوبة، كذلك على 14 آذار تفادي المماهاة بين التهدئة المطلوبة، مبدأ وعملاً، والتنازل السيادي لزوماً لاقرارها والسير بها واقعاً.

تسعى جبهة 8 آذار الى الترويج للمشاركة في السلطة أيّاً كانت نتائح الاقتراع الشعبي، وهذا، في حد ذاته، مطلب قابل للاندراج في مفهوم الديموقراطية التوافقية المركبة. إلاّ أن مبدأ المشاركة لا يمتّ بقرابة دستورية، وحتى روحية، الى مستحدث ثلث ضامن، الوجه الآخر للثلث المعطل، الصادم في نقضه للعمل الإجرائي المؤسسي السليم والذي سحب من التداول لغلاظته. فمشاركة الأقلية النيابية، أو فريق منها بعينه، في السلطة الاجرائية، إنما تستوي على خلفية القبول بأرجحيّة وثقل الغالبية النيابية الممثلة في الحكم، والتشارك معها لقاء المصادقة على بنود محددة، مثابة جزئيات عزيزة على التشكيل السياسي المعني في الحقول الخدماتية الضريبية والقطاعية، او تعاريف سياسية عامة. الأساس في مختلف الصِّيغ التوافقية أو ما يسمى حكومات الوحدة الوطنية، احترام الأحجام والأوزان تبعاً للمنطوق الشعبي في صندوق الاقتراع. والقاعدة في الدلالة التي تخوِّل صاحبها وضع برنامجه قيد التنفيذ، في خطوطه العريضة، مشفوعاً بالتعديلات التوافقية المقبولة منه، والتي لا تنال من الأساسيات. هكذا، حكم اتفاق الطائف، وما تسوية الدوحة الا بمرحلية ظرفيّة ينتهي مفعولها غداة الانتخابات.

إن منطق المعارضة معوج في سنده الفقهي والدستوري بادئاً، تنتحل صفة لم تعد جائزة وهي تحظى بحقائب وزارية راهناً. ومن النافل ان شبح السلاح لا تغيبه القفازات المخملية، لأنه مصدر عنادها وحجاجها، يحتمي به الخطاب الوفاقي اللين، ويتوسله سلوكها العملي كلَّما تعطّلت لغة الكلام، بل ان شعور هذه المعارضة يتعذر فوزها بالأكثرية النيابية، باتَ يستحضر أطروحات وقائية تنبىء باستمرار نهجها الممانع الآيل الى استخدام مفرط للفيتوات واللاءات. وفي الوقت ذاته، على ما يبدو جلياً، فهي تود التحلل من المسؤولية حيال الاقتصاد والمال، وإبقاء كرة النار في يد من تريدهم شركاء، لها الغنم من الموارد التي تؤمنها علاقاتهم العربية والدولية، ولهم الغرم من تقصير وسوء استعمال، كما دلَّت عليه السجالات والاضرابات والتظاهرات، وجميعها مواد تقاسيم شعبوية تنزع الى مزيد انفاق تلبية لمطالب اجتماعية دون التبصّر في المقابل من إيرادات. فرغم الضجيج والصراخ، تتكتم 8 آذار على البدائل المقترحة من جانبها بغية تعويم المالية العامة، وتلوذ بصمت معبر ازاء المعالجات الناجعة باستثناء زاد الشعارات ومكافحة الفساد.

ليس من منازعة في درء المخاطر قبل تحقيق المكاسب، فهذا لزوم ما لا يلزم حين يتعلق الشأن بالسلم الأهلي ومجانبة تحويل لبنان الى ساحة مفتوحة على صراعات اقليمية واستهدافات حربية بالواسطة ام بالوكالة. غير أن تذليل العقبات على أولويته وأحقيته، ينقلب تهاوناً ومطواعية اذا اقترن بمس فاضح لقواعد الدستور وممارسة الحكم على وجه الاذعان.

وما من شك ان أداءً حكيماً خير معين على الامساك بالميزان، بيد ان الجوهري في انقاذ الديموقراطية خط الدفاع الأول عن الحريات والكيان. لهذه المهمة أهلها، يعرفون بالديموقراطيين وليس فقط بالسياديين، وهم من يبحث عنهم ويصرّ على وجودهم ودورهم الفاعل السواد الأعظم من المواطنين، فيما يحيرهم جاري ترتيبات وصولات. فهل من واجب للاستعانة بقنديل ديوجين؟

المصدر:
الحياة

خبر عاجل