الأكثريّة تستثمر «قنبلة بكفيا» وعشاء الموازنة expired
في بلد العجائب والغرائب فقط، يتحوّل الجميع إلى محققين ومدّعين عامين قبل ظهور تحقيقات المختصين، ويتحول إعلان عن كاميرا إلى قضية تستدعي تدخل الفاتيكان، ويربط رئيس دولة أجنبية «استقرار المنطقة» بتعيين سفير عربي في بلد عربي آخر!
الحدثان البارزان اليوم، هما جلسة مجلس الوزراء التي لا يتضمن جدول أعمالها المعلن أي بند يتعلق بالمواضيع الخلافية، والجلسة التشريعية لمجلس النواب التي ستتابع مناقشة المواد التي طيّرت النصاب في الجلسة الماضية وأبرزها: تحرير سعر البنزين، فتح اعتماد لدفع سلسلة الرتب والرواتب، رفع الحد الأدنى للأجور، ومنح عفو عام عن الجرائم المقترفة قبل نيسان 2005، وسط تخوف من فقدان النصاب بسبب تباين المواقف من هذه البنود.
وعشية الجلستين، زار قصر بعبدا، رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي انتقد الوضع السائد «كأن كل شيء مجمد حتى تحصل الانتخابات». وردّ على سؤاله عن التعيينات، بسؤال: «هل التعيينات هي العلامة الجيدة في البلد؟»، ليردف بأن الأمر الجيد والأساس هو التوافق فـ«العالم كله يمر بمرحلة انتقالية يبدو أنها نحو الأفضل»، مشدداً على ضرورة ملاقاة المصالحات العربية، لأنه «مع أهميتها» و«لو تصالح العالم كله (…) لا يستطيع اللبناني أن يبقى متفرجاً».
وإذ رأى أن الانتخابات المقبلة ستكون «أكثر الانتخابات مذهبية وفئوية وجهوية وطائفية، ويا للأسف، وأكثر الانتخابات مالية»، دعا إلى الكفّ عن تصنيفها بأنها «كسر عظم وغير كسر عظم»، فهي «عادية، وفي رأيي أنها الآن أقل من عادية»، و«يجب أن تكون انتقالية (…) علّنا نصل إلى سنة 2013 ونكون قد سبقنا ذلك بقانون انتخاب نسبي بعد توسيع الدوائر كما يجب، وطبعاً مع انتخابات تشمل المغتربين (…) وعندئذ فقط نستطيع أن نقول أقدمنا على انتخابات مفصلية عندما نخطو خطوات نحو تخفيف الطائفية تمهيداً لإلغائها». وأكد حصول تفاهم في عشاء بعبدا الثلاثي في شأن الموازنة ومجلس الجنوب، مستغرباً التأخير، وقال: «هذا الأمر نسأل عنه الحكومة، لماذا إلى الآن ليس هناك موازنة؟».
ولفت أمس أن رئيس الحكومة فؤاد السنيورة استقبل وفداً من أهالي حاصبيا والعرقوب، وذكر مكتبه الإعلامي أن أعضاء الوفد ذكروا أن مجلس الجنوب تأسس منذ 40 سنة «لدعم أهالي مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، فما كان إلا أن صودر لفئة معينة وحرم من تأسس لأجلهم»، وأنهم طلبوا من السنيورة «تحصيل حقوقنا المغتصبة وضمانها قبل دفع أي مستحقات لهذا المجلس، إن حصل، وإن لم يحصل ذلك فنحن معكم ونساندكم بإقفال باب الهدر».
ومساءً زار السنيورة قصر بعبدا، ولمّح إلى أن موضوع الموازنة لا يزال يراوح مكانه، فهو «موضع تداول بين وزارة المال ومجلس الجنوب حول قضايا بحاجة إلى إيضاحات»، مشيراً إلى أن التفاهم الذي تحدث عنه بري كان «اتفاقاً على المبادئ، وتبقى عملية الإخراج». وأضاف: «ثمة مبادئ يجب أن تحترم» في ما يخص مرجعية مجلس الجنوب وكيفية اتخاذ القرارات داخله». وذكر أيضاً أن التعيينات لا تزال قيد التشاور، وذلك بعدما كان قد أمل في دردشة نهارية مع الصحافيين «أن نخطو خطوة» في موضوع التعيينات في جلسة اليوم، في إشارة ربما إلى تعيين نواب لحاكم مصرف لبنان. وعن مذكرة التفاهم مع المحكمة الدولية، قال إن اللجنة المكلفة درس الموضوع لا تزال «في طور التشاور لإيجاد المخارج اللازمة».
في هذا الوقت، ومع أن التحقيقات في شأن القنبلة التي عثرت عليها عناصر حماية منزل الرئيس أمين الجميّل في بكفيا، داخل سيارة، لا تزال مستمرة ولم تفضِ بعد إلى تحديد أي نيات جرمية كان سائق السيارة يريد تنفيذها (تفاصيل ص 12)، فإن اللافت أمس كان المسارعة إلى إطلاق توصيفات غير دقيقة للأمر وحتى توجيه اتهامات مبطنة ومباشرة.
فعدا التعاطي الرسمي من رئيس الجمهورية ميشال سليمان الذي اتصل بوزير الداخلية زياد بارود واطلع منه على المعلومات المتوافرة عن الموضوع، إضافة إلى اتصاله بالجميّل، ومن رئيس الحكومة الذي تابع الأمر مع المعنيين، فإن الوزير إيلي ماروني رأى أن القنبلة «رسالة فهمناها جيداً»، رابطاً بين بيان للكتلة الشعبية «هاجمت (فيه) حزب الكتائب وفي الليلة ذاتها وجدنا قنبلة بالقرب من بيت الكتائب في بكفيا».
وقرأت الأمانة العامة لقوى 14 آذار، في اجتماعها أمس، أمر القنبلة، على أنه «يعني استمرار المسلسل الإرهابي ضد لبنان وقياداته الاستقلالية»، مطالبة «بإعلان نتائج التحقيقات بشفافية والتشدد في حماية اللبنانيين من تداعيات هذه التهديدات». لكن النائب مصطفى علوش قال بعد الاجتماع إنه «لا تهديدات محددة في الوقت الحالي»، و«يمكن هذه التهديدات أن تكون مجرد تهويل لإخافة اللبنانيين».
واتصل رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع، بالجميّل «مطمئناً ومستوضحاً حيثيات ما جرى ليل أمس (الثلاثاء)، مؤكداً دعمه وتضامنه معه»، بحسب مكتبه الإعلامي. واستقبل جعجع رئيس حزب الاتحاد السرياني إبراهيم مراد الذي استنكر «وضع المتفجرة قرب منزل» الجميّل.
كذلك رأى رئيس حزب الوطنيين الأحرار دوري شمعون أن «ما جرى محاولة لتعكير الجو قبيل الانتخابات»، وقال: «إن تاريخ أخصامنا لا يشجع ولا يطمئن إلى أن هؤلاء لن يقوموا بعمليات من هذا النوع». وأدان رئيس التيار الشيعي الحر الشيخ محمد الحاج حسن «العودة إلى سياسة الترهيب والترويع وتهديد الناس». أما رئيس التجمع التنموي اللبناني خالد الخير، فاستنكر ما سمّاها «محاولة التفجير التي باءت بالفشل».
في المقابل، أعرب الحزب القومي عن خشيته «من سيناريوات داخلية في لبنان تستخدم فيها فقاقيع أمنية لتثميرها في إرباك الساحة الداخلية، وتحديداً من القوى المتضررة من مناخ المصالحات العربية»، محذراً «من مغبّة رهان البعض على تجديد العقد بين قوى داخلية معروفة بمواقفها وقوى خارجية فشلت في فرض مشيئتها على لبنان».
وفيما أشاد عدد من شخصيات الأكثرية بخطوة تعيين سفير لسوريا في لبنان كـ«إنجاز تاريخي لثورة الأرز»، اتصل رئيس الجمهورية بنظيره السوري بشار الأسد، شاكراً له هذه الخطوة. وتمنى الرئيس السنيورة «أن تتبعها خطوات عديدة أخرى»، وأن «يبدأ السفير الجديد بمزاولة مهماته»، فيما أعلن الوزير فوزي صلوخ إنجاز «المراحل الثلاث الأساسية لإتمام التبادل الدبلوماسي»، مشيراً إلى أن سفير لبنان سيلتحق بمركز عمله في دمشق في النصف الأول من نيسان المقبل، والسفير السوري علي عبد الكريم علي سيأتي إلى بيروت بعد إتمام إجراءات وداعه في الكويت. وأوضح أن إجراءات الدخول بين البلدين «لا تزال هي نفسها».
وفي باريس، رأى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أن تعيين السفير السوري «خطوة تاريخية على طريق تطبيع العلاقات بين البلدين»، آملاً أن «يسهم هذا القرار باستقرار المنطقة، ضمن احترام وحدة وسيادة واستقلال كل من الدولتين».
انتخابياً، برز أمس موقف للنائب حسن فضل الله، الذي قال في لقاء انتخابي مشترك لحزب الله وحركة أمل إن «المطلوب هو أن تفوز المعارضة بالأكثرية النيابية، حتى ولو لم تأخذ قوى أو شخصيات حجمها الطبيعي»، معلناً أن اللوائح ستعلن خلال أسبوعين، وأن لا برنامج انتخابياً واحداً للمعارضة، بل اتفاق على العناوين العامة المشتركة «ونترك لكل دائرة برنامجها» الذي يراعي أولوياتها واهتماماتها. وانتقد «المماطلة المقصودة» في استكمال أعضاء المجلس الدستوري، داعياً إلى التفاهم على التعيينات الإدارية «جميعها كسلة واحدة».
وأعلن النائب مصطفى علي حسين، في مؤتمر صحافي أمس، ترشّحه عن المقعد العلوي في عكار، مبدياً استعداده «للتحالف مع القوى السياسية والحزبية والمرشحين الذين تتوافق برامجهم الانتخابية مع توجهات حركتنا السياسية».
وبعد زيارته المفتي الشيخ مالك الشعار، أعلن مسؤول الجماعة الإسلامية في الشمال أحمد خالد، أن الجماعة ستطلق ماكينتها الانتخابية شمالاً قبل ظهر الأحد المقبل، وقال إن «التحالف المبدئي» مع تيار المستقبل «لم تنضج معالمه حتى هذه اللحظة»، لذلك قرّر «أهل الشورى» في الجماعة «فتح المجال أمام القيادة لنتحالف مع من نراه مناسباً أو نقرر الانفراد».
في التحركات الخارجية، يتوجّه النائب سعد الحريري إلى بروكسل، بعدما أنهى زيارته للندن بلقاء مع ممثلي البعثات الدبلوماسية العرب، وألقى محاضرة، كرّر فيها أن الانتخابات المقبلة «مصيرية وتاريخية وستحدد الوجهة المستقبلية لبلدنا، وفي حال فوزنا نتطلع إلى تأليف حكومة متناغمة في ما بينها وتعكس نتائج الانتخابات، وإذا لم نفز فسنكون في المعارضة»، وأبدى ثقة بالفوز. وتحدث عن لبنان «بلداً يفتح أبوابه للتنوع بعيداً عن التوترات القائمة في المنطقة».
وفيما أنهى النائب أنطوان زهرا زيارته لمونتريال، واصل النائبان ستريدا جعجع وإيلي كيروز، جولتهما في المكسيك، حيث قالت الأولى للمغتربين إن الوطن «يحنّ إليكم، فلا نريد أن نبخل عليه بأيام قليلة وبورقة في صندوق الاقتراع هذه المرة».
________________________________________
«يتحدث كأنه رئيس حزب لبناني»
مع إعلانه أنه «يشرّفه أن تتهمه الإدارة الأميركية بالإرهاب»، رأى حزب الله، في بيان أمس، أن مواقف مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى بالوكالة جيفري فيلتمان، وخصوصاً «تصنيفاته بالإرهاب وتعمياته حول حقيقة المقاومة وإنجازاتها»، هي «محاولة بائسة وعبثية لاستنهاض الرميم السياسي في لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك ليس غريباً عن المسؤول الأميركي «وهو الذي اعتاد منذ كان سفيراً لبلاده في لبنان التدخل في كل شاردة وواردة من أمور لبنان الداخلية».
واتهم فيلتمان بأنه «يتحدث على راحته وكأنه رئيس حزب أو مجموعة لبنانية، مستذكراً أحلامه الواهمة والواهية زمن محاولة واشنطن إدخال البلد في دائرة الوصاية الأميركية.
ويبدو أنه ما زال يعاني تأثير صدمة ما قبل استيعاب هزيمة بلاده في المنطقة، فيوغل في هذيان الظانّ أنه مركز الوجود».