#dfp #adsense

الأحد الخامس من الصوم الكبير: أحد شفاء الأعمى

حجم الخط

الأحد الخامس من الصوم الكبير: أحد شفاء الأعمى
إنجيل القديس مرقس 52-46:10

ووصلوا إلى أريحا. وبينما هو خارج من أريحا، ومعه تلاميذه وجمع كثير، كان ابن طيماوس (برطيماوس)، وهو شحاذ أعمى، جالسا على جانب الطريق.

فلما سمع بأنه يسوع الناصري، أخذ يصيح: «رحماك، يا ابن داود، يا يسوع!"

فانتهره أناس كثيرون ليسكت، فصاح أشد الصياح: «رحماك، يا ابن داود!».

فوقف يسوع وقال: «ادعوه». فدعوا الأعمى قالوا له: «تشدد وقم فإنه يدعوك».

فألقى عنه رداءه ووثب وجاء إلى يسوع.

فقال له يسوع: «ماذا تريد أن أصنع لك؟» قال له الأعمى: «رابوني، أن أبصر».

فقال له يسوع: «اذهب! إيمانك خلصك». فأبصر من وقته وتبعه في الطريق.

تعليق على الإنجيل
"إذهب إيمانك خلصك"

تحتفل الكنيسة المارونيّة في الأحد السادس من زمن الصوم الكبير بشفاء الأعمى برتيماوس، وقد ذكر أيضاً في إنجيل القدّيس متى 20/ 29 – 34 ولوقا 18/35 – 43. هذه الأعجوبة هي الثانية لشفاء أعمى بحسب الإنجيليّ مرقس.

فالأولى تمّت في بيت صيدا (مر 8/22 – 26) قبل أن يشهد القدّيس بطرس لحقيقة يسوع، والنبوءة الأولى للسيّد المسيح عن موته وقيامته.

أمّا الثانية فتمّت بعد النبوءة الثالثة للسيد المسيح عن موته وقيامته. نشير إلى أنّ هذا الشفاء هو الأخير الّذي يجريه يسوع قبل دخوله المسيحاني إلى مدينة أورشليم فهو يحمل معنىً عميقاً جدّاً سنحاول تفسيره لنقطف ثماره اللاهوتيّة والروحيّة.

يوضح لنا النصّ الإنجيلي أنّ برتيماوس كان أعمى وشحاد، "جالس على جانب الطريق" يستعطي خارج أريحا من جمهور الحجاج الحاجين إلى مدينة أورشليم لقضاء عيد الفصح.

إنّ ذكر مدينة أريحا يظهر أهميّة هذا الموقع للذاهبين إلى قضاء الفصح في المدينة المقدّسة فهي تُعتبر كمحطّة أساسيّة للبلوغ إلى أورشليم؛ علماً أنّها ذُكرت أيضاً في بشارة القدّيسين متى ولوقا.

هذا الأعمى سمع بأنّ يسوع مارّاً بين "جمعٍ كثير" لا بل شعر بحضوره فآمن بأنّه المسيح إذ أخذ يصيح: "يا يسوع ابن داود ارحمني". إنّها صرخةٌ الإيمان والرجاء لأنّ يسوع هو القادر على منحه الغفران والخلاص، النّعمة والرحمة.

نعم لقد آمن برتيماوس بيسوع جاهراً إيمانه بكلّ قواه وأنّ يسوع هو المسيح المنتظر، هو المخلّص الوحيد القادر أن يعطيه النّور والبصر.

هذا الصياح ما هو إلاّ تسبيقٌ لهتافات الجموع عندما دخل يسوع أورشليم كملكٍ ظافر: هوشعنا! تبارك الآتي باسم الربّ! تباركت المملكة الآتية مملكة أبينا داود! هوشعنا في العلى! (مر11/9 – 10).

نلاحظ من خلال النصّ أنّ الكثير من النّاس إنتهره لربّما لأنّ ساعة المسيح لم تأتي بعد كما صنع يسوع مع القدّيس بطرس عندما شهد لمسيحانيّته (مر8/30) أو أنّ لم يعجب بعض النّاس، إعطاء الأعمى هذا اللّقب ليسوع، لقب إبن داود، فهو يعني المسيح المنتظر ببُعده الوطني والسّياسي الّذي يتناقض مع روح رسالة يسوع المسيحانيّة والخلاصيّة.

لكنّ الأعمى لم يعبأ بالجمع فراح يصرخ ثانيةً ومشتدّاً في الصّياح "رحماك يا ابن داود". هذا التشديد والإلحاح في الصراخ يعبّر عن الثقة المطلقة، والإيمان العميق، والرجاء المسيحاني للأعمى فلقد عرف يسوع في جوهر طبيعته، خلافاً للجمع الكثير الّذي كان يرافقه. ولقد انفتح قلبه وعقله على يسوع وآمن به بأنّه معلّمه وسيّده قادر أن يمنحه البصر والنّور: "رابوني، أن أبصر".

أمّا موقف يسوع فكان الإستجابة لهذا الإيمان الحيّ الّذي يحمله هذا الأعمى الشحاذ والفقير: "إذهب إيمانك خلّصك" (مر 10/52). لقد آمن الأعمى برتيماوس بالنّور الّذي يمنحه يسوع المسيح: "أنا نور العالم من يتبعني لا يمشي في الظلام" (يو8/12)؛ وآمن بحقيقة هذا المعلّم الإلهي وقوّة نوره المحيية: "فيه كانت الحياة وحياته كانت نور النّاس" (يو1/4) وآمن بكلمته المحيية ونعمه السّامية وغنى نوره: "الكلمة هو نور الحقّ، جاء إلى العالم لينير كلّ إنسان" (يو1/9).

إذاً نرى أنّ الأعمى برتيماوس نال قوّة الخلاص، والرحمة الإلهيّة بفضل إيمانه وبعد فكره وبساطة حياته. رأى في يسوع الإبن المتجسّد، مخلّص العالم، المسيح إبن داود ونور العالم

إنّ مغذى هذه الأعجوبة لا يتوقّف على شفاء الأعمى فحسب إنّما يرتكز على أهميّة إتّباع يسوع المسيح إلى أورشليم على مثال الأعمى برتيماوس الّذي لم يكتفِ بإعادة يسوع البصر إليه، إنّما "تبع يسوع في الطريق" (مر10/52). هذا الإتّباع ليس عرضيّاً أو لأغراضٍ ماديّة إنّما هو الإلتزام الفعلي في مدرسة يسوع، وتتلمُذ له وتقبُّل على مثاله، طريق الألم والجلجلة والموت، ومن ثمّ إلى القيامة.

هذا هو هدف الإنجيليّ مرقس في رواية حدث أعجوبة شفاء الأعمى برتيماوس: يدعونا لنقتدي به والدخول في سرّ آلامه وموته الخلاصيّة وهو الّذي قال: "لأنّ ابن الإنسان لم يأتِ ليُخدم بل ليَخدم جماعة النّاس" (مر10/45)

إنّ كنيستنا المارونيّة تضع هذا الإنجيل في مسيرة هذا الصّوم المبارك لتهيّئنا للدخول في عيش سرّ آلام ربّنا يسوع المسيح الخلاصيّة ولفهم حقائق تعاليمه المحيية، ولندرك أهميّتها في مسيرة حياتنا ونبصر جوهرها فنكون على مثال معلّمنا يسوع المسيح الّذي أحبّنا حتّى الموت موت الصّليب.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل