الدوحة "ميثاق المواثيق" !
مع أن قوى 8 آذار لم تلزم نفسها وضع برنامج انتخابي مشترك على غرار ما فعلت قوى 14 آذار، فإن الرصد اليومي للمواقف التي يطلقها "حزب الله" بكثافة لافتة منذ تحريكه لماكينته التنظيمية والاعلامية يعكس تعهد الحزب وتوليه تعميم الجانب "العقائدي" بالاصالة عن نفسه وبالوكالة عن حلفائه في المعسكر "المعارض"، علماً ان تسمية المعارضة لم تعد جائزة في مفهوم السلطة الحكومية بعد اتفاق الدوحة بل فقط في مواجهة "الموالاة" كخصم سياسي.
ذلك ان الحزب يتميز عن حليفيه الرئيس نبيه بري والعماد ميشال عون بخطاب ثابت لا تموجات فيه صعوداً وهبوطاً، يبدو عبره ليس الاكثر ارتياحاً الى وضعه الانتخابي بين حلفائه فحسب، بل ايضاً الرافعة الضخمة لخطاب سياسي يُراد له ان يفرض شروطاً مسبقة جامدة على مرحلة ما بعد الانتخابات اياً تكن نتائجها ولمصلحة اي فريق.
ولم يعد ثمة جدل في ان قوى 8 آذار، عبر خطاب "حزب الله" تُعلي اتفاق الدوحة "كميثاق المواثيق" حتى فوق اتفاق الطائف وبما يتجاوزه. فهذا التركيز الذي لا هوادة فيه على ترسيخ تجربة الحكومة والحكم والسلطة التي انبثقت من اتفاق الدوحة، والذي يرجع صداه الحزب بما يشبه "الثابتة" الحاسمة التي لا تقبل مراجعة، يعني بوضوح لا غبار عليه ان قوى 8 آذار تتعامل مع اتفاق الدوحة من منطلق يسقط طابعه المرحلي ويتوسل ترسيخه كاتفاق دائم ملزم قدر الطائف واكثر.
وبطبيعة الحال فإن العامل المباشر المصلحي لـ"حزب الله" وحلفائه في فرض ديمومة هذا الاتفاق يعود الى المردود الهائل الذي وفرته تجربة "الثلث المعطل" في الحكومة، مقترنة بمكاسب مماثلة على صعيد توسيع الحضور النافذ داخل قطاعات الدولة ومؤسساتها المختلفة بما يتجاوز توزيع الانصبة الذي كان سائداً قبل هذه التجربة. ولكن الامر لا يقف عند حدود التوازن في المحاصصة في هذه القطاعات او امتلاك القدرة على التعطيل والتسهيل حيال القرارات تبعاً للمصالح المباشرة لهذا الفريق فحسب، بل يتجاوزها الى محاولة تحصين مسبقة لهذا الواقع بحيث يغدو اتفاق الدوحة الخط الاحمر الجديد الذي يمنع مسّه او تجاوزه او نقضه بعد الانتخابات بما يفرض تمديد مفاعيله في السلطة الى امد غير محدود.
تسقط هذه "العقيدة" السياسية – الانتخابية لـ"حزب الله" ثلاثة أبعاد مترابطة على الاقل على الامر الواقع الجاري ترسيخه منذ اتفاق الدوحة، في انتظار بتّ مصيره في انتخابات 7 حزيران.
البعد الاول يشي بالفارق بين السقف الدعائي المرتفع لقوى "المعارضة" والسقف الواقعي للتقديرات الانتخابية. فاستباق الانتخابات بمعادلة فرض الشروط السلطوية والحكومية للحفاظ على معادلة الدوحة يعني بوضوح ان المعارضة تطمح الى الحفاظ على "الجنة والآخرة" معاً بما يعكس ادراكها ان احتمالات محافظة قوى 14 آذار على اكثريتها، وإن بمقدار اقل من السابق، لا تزال قوية، رغم ظواهر التعثر في انجاز بعض التفاهمات على الترشيحات في مناطق مختلفة.
البعد الثاني هو ان قوى 8 آذار تتكئ على اتفاق الدوحة كمستقطب "دائم" لثلاثي دولي – اقليمي تقاطعت مصالحه في الدفع نحو ترسيخ هذا الاتفاق بعد الانتخابات، وهو ثلاثي قطر وسوريا وفرنسا. وتسعى هذه القوى بقوة الى جعل هذا الثلاثي بمثابة المظلة الجديدة التي تتجاوز مظلة القوى الدولية والعربية التقليدية التي دعمت ولا تزال تدعم اتفاق الطائف، وهي محاولة متقدمة جداً للجنوح بالطائف ضمناً نحو أعراف ومضامين سلطوية تقيم قوانين مختلفة على قاعدة "الديموقراطية التوافقية" الاضمن "للسلم الاهلي" من الديموقراطية الدستورية الطبيعية.
والبعد الثالث والاهم، الذي يعكس الاتجاهات المعارضة، يتمثل في ان قوى 8 آذار تعكس مفهومها "الميثاقي" من خلال السلطة حصراً. فتقاسم السلطة هو الاولوية المطلقة لدى هذه القوى، ولعله "الميثاق" الذي تربط به مصير البلاد، وليست السنوات الاخيرة سوى الدليل القاطع على هذا المفهوم ممارسة وعقيدة ونمطاً سواء في السلطة أو في الشارع.