"مذكرة التفاهم" مجمّدة فهل يجمّد طلب بلمار ؟
شعر اللبنانيون ولا سيما منهم الحرصاء جداً على انطلاق "المحكمة الخاصة بلبنان" في عملها وتالياً توصلها الى نتائج ملموسة، "بنقزة" كبيرة عندما اطلعوا في وسائل الاعلام على الطلب الرسمي الذي قدمه المدعي العام في هذه المحكمة ورئيس لجنة التحقيق الدولية قبل ذلك دانيال بلمار الى رئيس المحكمة طالباً بواسطته من "السلطات اللبنانية…" تسليمه ملف التحقيق اللبناني في اغتيال الرئيس رفيق الحريري والوزير باسل فليحان، وعدد من المسؤولين والمواطنين والموقوفين فيه.
لماذا "النقزة"؟
لسبب مهم نابع اساساً من اقتناع بوجود انقسام عميق غير معلن او بالاحرى معلن بين "الشعوب اللبنانية" حيال "المحكمة الخاصة" المذكورة. اذ ان البعض منها يؤيدها، والبعض الآخر يرفضها، والبعض الاخير يشكك في دوافعها او بالاحرى في دوافع الجهات التي بذلت جهوداً كبيرة لانشائها، سواء أكانت لبنانية ام عربية ام اجنبية. ولسبب مهم آخر هو ان لا يواجه طلب المدعي العام بلمار المصير نفسه الذي تواجهه مذكرة التفاهم مع المحكمة والتي وضعها وزير العدل الدكتور ابرهيم نجار ورفعها الى مجلس الوزراء طالباً موافقته عليها. وهذا المصير لا يزال سلبياً حتى الآن اذ واجهه وزراء الثلث المعطّل، اي فريق 8 آذار، بالرغبة في درس المذكرة قبل الموافقة عليها وخصوصاً ان في بعض بنودها ما أثار قلقهم ومن يمثلون مثل الكلام من جديد على حق المحكمة في استجواب فئات لبنانية عدة منها "زعماء جماعات" وما الى ذلك. ولم يفلح اقتراح رئيس الجمهورية ميشال سليمان تأليف لجنة وزارية "مشتركة" لدرس المذكرة وادخال تعديلات عليها، في ازالة "الحجر" عن المذكرة. اذ لا يزال فريقا اللجنة مختلفين على امور عدة. ولم ينجح اقتراح احدهما ابدال كلمة "يَضمَن" الواردة في احد بنود المذكرة بكلمة "يُؤمّن" في اخراج المذكرة من دائرة الخلاف.
هل عند رجال القانون في لبنان، وتحديدا الكبار منهم والمتمرسين الذين يمكن تسمية بعضهم الفقهاء، "النقزة" نفسها التي عند اللبنانيين من الطلب الاخير الذي قدمه بلمار بواسطة "رئيس المحكمة الخاصة بلبنان"؟
لا يقلق امثال هؤلاء من "نقزة" او من رد فعل عاطفي او إنفعالي، رغم ان مواقفهم من المحكمة وقبل ذلك من اسلوب التحقيقات التي أُجريت قد تكون متناقضة. لكنهم يجمعون على وجود اتفاق دولي في شأن المحكمة بين لبنان والامم المتحدة، وعلى انها تحكم الطلب الاخير الذي قدمه بلمار الى "السلطات اللبنانية" وتسليم ملف التحقيق ونتائجه ومواد الاثبات ذات الصلة وقائمة باسماء المحتجزين وبتنازلها عن اختصاصها الى المحكمة. ويعني ذلك ان في استطاعة المدعي العام التمييزي سعيد ميرزا ووزير العدل ابرهيم نجار التشاور وتلبية طلب بلمار بطريقة روتينية، بل يعني تحديدا انهما لا يحتاجان الى موافقة السلطة السياسية ممثلة في مجلس الوزراء على الطلب كي يتمكنا من تنفيذ مضمونه. الا ان هؤلاء القانونيين الكبار يلفتون الى امر مهم جداً هو انه بمجرد ان يعرض وزير العدل هذا الامر على مجلس الوزراء فانه يعرّضه، اي يعرّض طلب بلمار، لمصير مماثل لمصير مذكرة التفاهم، اي الرفض او على الاقل التجميد الذي تعيشه منذ اسابيع. طبعاً لا يعني ذلك ان تعاطي مجلس الوزراء معه يلغي قانونية التعامل المباشر معه من المدعي العام التمييزي ووزير العدل. بل يعني ان ذلك يفتح باب التسييس والتفسير والاجتهاد وباب توظيف هذا الامر وكل امر آخر يتعلق بـ"المحكمة الخاصة بلبنان"، بما في ذلك مذكرة التفاهم المجمّدة، في الانتخابات النيابية المقرر ان تجرى في السابع من حزيران المقبل. ولن يقتصر دخول هذا الباب على فريق 8 آذار او على فريق 14 آذار، بل سيدخلانه معاً وكل من مواقعه ووفقاً لمصالحه. وفي هذا المجال، يلفت بعض القانونيين الكبار انفسهم الى امرين: الاول، ان المدعي العام بلمار طلب "توجيه طلب الى السلطات اللبنانية المكلفة التحقيق في الهجوم"… وكان عليه ان يسمي السلطات القضائية وان يبتعد عن تسمية عامة قد تفسح في المجال امام تأويلات وتفسيرات متناقضة. والثاني، ان احد مطالب بلمار هو تنازل "السلطة اللبنانية" اي القضائية عن اختصاصها في جريمة الحريري وفليحان الى "المحكمة الخاصة". هذان الامران قد يمكّنان فريق 8 آذار الذي له تحفظات كثيرة عن المحكمة وطريقة سيرها والمعالجة اللبنانية الرسمية لها، من "العرقلة" وعذراً لاستعمال هذا التعبير، بالتذرع بان مجلس الوزراء لا يستطيع ان يتنازل عن اختصاص (سيادة) سلطة دستورية هي القضاء لأن تنازلاً كهذا يحتاج الى تعديل دستوري. والجميع يعرفون صعوبة ذلك بل استحالته.
كيف سيكون التعاطي مع طلب المدعي العام بلمار؟
لا احد يعرف، على الاقل الى الآن. لكن الاستناد الى اتفاق انشاء المحكمة للتجاوب مع طلبه يجنّب لبنان اشكالات جديدة وربما ما هو اكثر منها، يجيب عدد من القانونيين الكبار انفسهم. لكن هؤلاء يلفتون الى امر له علاقة بالضباط الاربعة "المحتجزين"، وفق "وصف" بلمار لوضعهم. فهؤلاء الذين صار واضحاً ان بت طلب تخليتهم لن يتم الا في المحكمة، اي في لاهاي، يعرفون عبر محاميهم "ان الانتظام العام في الدولة المضيفة اي هولندا يبقى ساري المفعول" وعلى المحكمة احترامه وقد ضمن ذلك "اتفاق المقر" الذي وقعته الامم المتحدة مع الحكومة الهولندية. والانتظام العام هذا يحدد تسعين يوماً حداً أقصى مهلة "احتجاز" المشتبه فيهم. وهذا يعني ان وضع الضباط المذكورين سيبت في لاهاي خلال 90 يوماً على ابعد تقدير. ويلفت هؤلاء القانونيون ايضاً الى امر آخر سياسي إذ يتساءلون اذا كانت طريقة اللبنانيين (8 آذار و14 آذار) في التعاطي مع طلب بلمار ومع قضية الضباط المحتجزين لها علاقة في صورة او في اخرى بموعد الانتخابات. ويعني ذلك ان اطلاقهم او اطلاق بعضهم قبل الانتخابات او بعدها لا بد ان يؤثّر على نتائجها في شكل او في آخر.