لأن سوريا لا تتوقع أن تأتي نتائج الانتخابات بأكثرية حاسمة
محاولة الامساك بالقرار اللبناني عبر حكومة وحدة وطنية
يبدو أن سوريا غير مهتمة بنتائج الانتخابات النيابية المقبلة إنما بما بعدها، اذ تتوقع ان تكون هذه النتائج متقاربة وغير حاسمة بين 8 و14 آذار، وهذا يفرض بنظرها تشكيل حكومة وحدة وطنية اعطت سوريا اشارة الى حلفائها في لبنان للمطالبة بها تكراراً وفي كل مناسبة، فكانت أحاديث وتصريحات الرئيس بري وبعض نواب كتلته تركز على ذلك، كما ان الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله وقياديين في الحزب يؤكدون على هذه المطالبة في تصريحاتهم. فاعلن نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم "ان من يتوقع ان يغير الاتجاه لمستقبل لبنان في الانتخابات المقبلة، فهو مخطئ، انما ستعدل مواقع بعض القوى، اي هنا يزيد نائبان وهناك ينقص نائبان، لكن هناك اصطفافات سياسية في البلد حادة ومؤثرة ستبقى مؤثرة على القرار السياسي" وقال رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد: "نحن نريد حكومة تتشكل في ضوء التزام خيار وطني حقيقي، والبيان الوزاري الذي تعمل ضمنه هو بيان تسوية بين قوى سياسية كل جهة لها خيارها الوطني وان الانتخابات ستفرز حكومة متجانسة وأكثر ديناميكية اذا كان هناك اجماع على خيار الناجحين" واكد النائب حسين الحاج حسن أن "لا شرعية لاي سلطة تتناقض مع مقدمة الدستور الذي يشدد على صيغة العيش المشترك وان لبنان هو بلد التعايش والشراكة والحوار".
وجاء حديث الرئيس الأسد لصحيفة "السفير" ليتوج هذه المواقف ويؤكدها بقوله: "ان الفارق سيكون بسيطاً (نتائج الانتخابات) بغض النظر عمن سيفوز ولبنان يحكم بالتوافق" ويضيف رداً على سؤال: "اذا كانت الأكثرية تعبر لاحقاً في حكومتها عن حكومة وحدة وطنية سنتتعاطى معها، اما إذا كانت، كما الأكثرية السابقة قبل الدوحة، أكثرية تحتكر وهناك جزء من اللبنانيين ضدها، فلا نستطيع ان نتعاطى معها (…) فلبنان يحكم بالتوافق، واي حالة تعبر عن عدم التوافق في لبنان لن نتعاطى معها" (…).
هذا الحديث الواضح والصريح للرئيس الأسد يدل على ان سوريا اذا لم تتدخل في الانتخابات النيابية بشكل سافر كما كانت تفعل زمن وصايتها على لبنان، كي تظهر للخارج انها عند وعدها بعدم التدخل في هذه الانتخابات، فانها من جهة أخرى تعلن تدخلها في تشكيل الحكومة وتريدها ان تكون حكومة وحدة وطنية، مع ان احترام سيادة لبنان يفرض عدم حصول هذا التدخل واعتبار عملية التشكيل شأناً لبنانياً صرفاً.
وعندها يقول الرئيس الأسد في حديثه: "من المبكر تصور ما ستكون عليه العلاقات الثنائية في المستقبل إلا في الخطوط العريضة، فلا تدخل في الشؤون الداخلية لأي من البلدين من قبل الآخر، والاحترام المتبادل، ولا عودة عسكرية سورية الى لبنان، ولا اهتمام استثنائياً بنتيجة الانتخابات النيابية المقبلة إلا في ما يتعلق بما اتفق عليه في الدوحة بضرورة اقامة حكومات وحدة وطنية"، فانه ينقض كلامه عندما يعلن رفضه التعاون مع الحكومة في لبنان اذا لم تكن حكومة وحدة وطنية. فهل يحق للبنان ان يتدخل في شؤون سوريا ويقول انه لا يتعاطى مع اي حكومة فيها ان لم تكن حكومة وحدة وطنية؟!
يذكر ان سوريا اشترطت قبل ان تتوجه الى لقاء الدوحة ان تشكل في لبنان حكومة وحدة وطنية خصوصاً بعد حوادث 7 أيار وذهبت الى حد القول إنها مستعدة لاستقبال الرئيس السنيورة اذا شكل حكومة وحدة وطنية، لكن الخطأ الذي وقع فيه الرئيس الأسد هو اعتباره اتفاق الدوحة اتفاقاً يسري على تشكيل كل حكومة في لبنان، في حين أن هذا الاتفاق هو حل موقتّ لإخراج لبنان من ازمة الانتخابات الرئاسية وتشكيل حكومة خلافاً للدستور اللبناني، اذ صار توزيع الوزراء فيها بتحديد حصة لكل من الموالاة والمعارضة وللرئيس سليمان، في حين ان الحكومة يتم تشكيلها بموجب الدستور بالاتفاق بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف، وان العمل باتفاق الدوحة ينتهي بانتهاء عمر الحكومة الحالية وانبثاق مجلس نيابي جديد من الانتخابات النيابية المقبلة.
والاسئلة التي تثير اهتمام الأوساط الرسمية والسياسية والشعبية فضلاً عن الاوساط الديبلوماسية العربية والاجنبية، لا بل قلقها أيضاً هي:
أولاً: هل ستظل سوريا تمارس لعبة التدخل في شؤون لبنان الداخلية اياً تكن نتائج الانتخابات للحؤول دون تطبيق النظام الديموقراطي الذي ظل لبنان يطبقه على مدى سنوات ومنذ العام 1943 ولم يمسخ الا خلال زمن الوصاية السورية عليه، وكذلك تطبيق احكام دستور الطائف التي تحدد اصول المشاركة في الحكم واهمها تشكيل الحكومة من كل الطوائف بحسب حصة كل منها، وعدم انعقاد جلسة مجلس الوزراء الا بحضور ثلثي عدد الوزراء، وعدم اقرار المواضيع الاساسية وعددها 14 الا بموافقة الثلثين ايضاً اذا تعذر التوافق عليها".
ثانياً: هل تريد سوريا تعطيل سير عجلة الحكم في لبنان كما حصل خلال السنوات الثلاث الأخيرة بحيث تخير الأكثرية النيابية اذا فازت بها قوى 14 آذار بين اشراك الأقلية المعارضة في حكومة وحدة وطنية يكون لها فيها "الثلث المعطل"، او أكثر من الثلث اذا فازت قوى 8 آذار بعدد من النواب متقارب مع العدد الذي فازت به قوى 14 آذار، بحيث يصبح من الصعب التوصل الى اتفاق على اتخاذ القرارات وبت المواضيع حتى المهمة منها، اذ يرفض وزراء المعارضة في الحكومة كما هي الحال مع الحكومة الحالية، التصويت تطبيقاً للدستور عندما يتعذر التوافق، واذا كانت الاستقالة ممنوعة الآن عملاً باتفاق الدوحة، فان هذه الاستقالة تصبح مسموحة بعد انتهاء العمل به، وهكذا تضع الأقلية الوزارية المعارضة الأكثرية الوزارية بين خيارين: أما عدم طرح اي موضوع لا يصير التوافق عليه على التصويت، او الاستقالة التي تفضي عندئذ الى استقالة الحكومة برمتها اذا تعذر تعيين بدائل عن الوزراء المستقيلين.
ثالثاً: اذا فازت قوى 8 آذار بالأكثرية النيابية فسوف تعرض على الأقلية في قوى 14 آذار المشاركة في حكومة وحدة وطنية، فاذا رفضت، فان هذا الرفض قد يحدث انقساماً داخل هذه القوى بين من يؤيد المشاركة ومن يعارضها، فتصبح أكثرية 8 آذار بانضمام عدد من نواب 14 آذار اليها أكثرية كافية لتحكم وتصبح سوريا مطمئنة الى حكمها والى القرارات التي تصدر عنها. اما اذا فازت قوى 14 آذار بالأكثرية فسوف تحول سوريا بواسطة حلفائها في 8 آذار دون تمكينها من تشكيل حكومة اذا لم تكن حكومة وحدة وطنية ويكون للمعارضة فيها "الثلث المعطل" ان لم يكن أكثر من الثلث بحسب حجم ما تمثله المعارضة.
رابعاً: ليست هذه هي المرة الأولى التي تشترط فيها سوريا تشكيل حكومة وحدة وطنية تحقيقاً لاهدافها. فعند وضع اتفاق الطائف، طلب الرئيس حافظ الأسد تشكيل حكومة وفاق وطني لاقرار الاصلاحات السياسية بصورة دستورية، وطلب اعادة تمركز القوات السورية في البقاع وتحديد علاقة هذه القوات مع سلطات الدولة اللبنانية في اماكن وجودها. وقد اعترض العميد ريمون إده يومذاك على شرط تشكيل حكومة وفاق وطني لأن هذا شأن لبناني ويعود الى الاتفاق بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، اذ ان شرط تشكيل مثل هذه الحكومة قد يجعل تشكيلها يتعثر فتطول الأزمة الوزارية، لتصبح مفتوحة على ازمة حكم. واذا تشكلت، فان هذه الحكومة التي ستضم وزراء، محسوبين على سوريا قد يعطلون اتخاذ اي قرار لا يعجبهم ولاسيما القرار المتعلق باعادة تمركز القوات السورية في البقاع وتحديد مدة بقائها فيه، وان سوريا في رأي إده تعتمد عندئذ على الخلاف بين اعضاء حكومة الوفاق الوطني كي لا يصدر مثل هذا القرار، لذلك فان سوريا تكرر مع حلفائها في لبنان، تشكيل حكومة وحدة وطنية بل تصر على ذلك كي تظل ممسكة بالقرارات اللبنانية التي تعنيها ولاسيما ما يتعلق منها بالمحكمة ذات الطابع الدولي اذا ما اتهمتها بالتسييس، وكما نجحت سوريا في الماضي في تعطيل اي قرار يصدر عن الحكومة باعادة تمركز قواتها في البقاع، فانها تريد الآن من خلال مطالبتها بحكومة وحدة وطنية والقول ان لبنان لا يحكم الا بالاتفاق والتوافق، تعطيل صدور اي قرار عن هذه الحكومة غير مقبول من سوريا… واذا كانت اميركا تسلم بان يكون لسوريا نفوذ سياسي في لبنان، فهل تشكل مثل هذه الحكومة الترجمة العملية لذلك…