الموالون والمعارضون يبحثون عن «ظروف استثنائيّة» لانتخابات غير استثنائيّة
نقولا ناصيف
رغم أن نتائج انتخابات 2005 كانت استثنائية، شأن معظم الانتخابات النيابية التي خبرها لبنان على مرّ العقود المنصرمة، تظلّ تمثّل للموالين والمعارضين على السواء مصدراً رئيسياً للإلهام، وهم يرسمون ملامح حملتهم لانتخابات 2009. وقد كانت استثنائية للطرفين اللذين استغلا المشاعر المذهبية والاحتقان السياسي حتى الذروة للفوز بالمقاعد. تالياً فهما يشعران أيضاً بحاجتهما إلى ظروف استثنائية لخوض انتخابات تتيح لأحدهما الفوز بالغالبية النيابية.
يختلف الفريقان على تقدير مسار انتخابات 2009، ويواجه كل منهما وجهات نظر متناقضة داخل صفه. فالنائب وليد جنبلاط، كالرئيس نبيه برّي، لا يجد الانتخابات المقبلة مصيرية، مع أن ردّ فعله فور إعلان فوز العماد ميشال عون في انتخابات جبل لبنان الشمالي عام 2005 كان أنه انتصار يهدّد بحرب أهلية، مقارناً إياه بالفوز الكاسح للحلف الثلاثي عام 1968 في الدوائر المارونية نفسها، تحت وطأة تشنج مذهبي. بدوره النائب سعد الحريري وحليفاه الآخران الرئيس أمين الجميل وسمير جعجع يرون الانتخابات مصيرية، ويقررونها بخيارات مبالغ بها، وكذلك يصفها عون على طريقته، فيما يتصرّف حزب الله حيالها ببرودة ظاهرة. في نهاية المطاف يجد كل من هؤلاء بلا استثناء أن خصمه الفعلي هو إرضاء عائلات وبيوت وقرى وبلدات ووجهاء ونواب سابقين وحاليين أو طامحين ومتمولين، لا أكثر.
لكن انتخابات 2009 تنطوي أيضاً على بعدين مهمين يقللان استثنائيتها قياساً بما حدث عام 2005، وخلافاً لما يتطلبه الفريقان:
1 ـــــ اقتصار الاهتمام الدولي بالانتخابات اللبنانية على تتبّع مراحلها، وفي أحسن الأحوال إيفاد مراقبين لها وترقب نتائجها قبل اتخاذ أي موقف منها. وتدريجاً راح الموقف الغربي، وأخصه الأوروبي بعد فرنسا وبريطانيا، يكتفي بالقول إنه سيتكيّف مع أي نتائج ينتهي بها اقتراع اللبنانيين لبرلمانهم والتعامل بواقعية، من غير وضع حواجز مبكرة في طريق المعارضة إن هي ربحت الغالبية النيابية. وحده الموقف الأميركي لا يزال يشذّ، ظاهراً على الأقل، عن هذه الخلاصة وينتظر النتائج أولاً. في واقع الأمر، لا ينسى اللبنانيون أن واشنطن التي راقبت مقاطعة المسيحيين انتخابات 1992، حضر سفيرها جلسة افتتاح البرلمان الجديد وانتخاب برّي رئيساً لمجلس نيابي طعن المسيحيون بشرعيته، واعتبروا أن سوريا فرضته عليهم.
إلا أن الموقف الغربي لم يكن كذلك في انتخابات 2005، من خلال ثلاثة سفراء اضطلعوا بأدوار كمّل بعضها بعضاً لفرض إجراء الانتخابات في موعدها وتمكين قوى 14 آذار من الفوز بالغالبية، هم الناظر السابق للقرار 1559 تيري رود ـــــ لارسن والسفيران الأميركي جيفري فيلتمان والفرنسي برنار إيمييه. كان اغتيال الرئيس رفيق الحريري واستعجال تنفيذ القرار 1559 يلقي بثقله على تلك الانتخابات.
2 ـ لبننة انتخابات حزيران على نحو غير مسبوق. بين عامي 1992 و2000 كان إجراء الانتخابات يعزى إلى سوريا على أساس أنها هي التي تصنعها، وتأتي بالبرلمان الذي يستجيب مصالحها وديمومة نفوذها السياسي والعسكري في لبنان، فيما خيضت انتخابات 2005 على أنقاض دور دمشق في لبنان بعدما انسحب جيشها منه قبل ذلك بشهر، وخيضت خصوصاً تحت شعار إسقاط الطبقة السياسية التي أوجدها السوريون ومكّنوها من أن تحكم لبنان لعقد ونصف عقد من الزمن. حينذاك أُخِذَ على العماد ميشال عون تحالفه الانتخابي مع رمزين صارخين للنفوذ السوري، هما النائب ميشال المر والنائب السابق سليمان فرنجية. وإذا بانتخابات 2005 تعيد تثبيت البرلمان في قبضة القوى الأربع الحليفة الأساسية لسوريا، وهي برّي وحزب الله وجنبلاط وكتلة الرئيس الحريري بعدما آلت زعامتها إلى نجله سعد. ائتلف هؤلاء في ظلّ تحالف رباعي تقاسم النفوذ في المجلس والحكومة، واختلفا على شعار المعركة، أحدهما تمسّك بالتحالف مع سوريا، والآخر صعّد عداءه لها. على أبواب انتخابات 2009 انقلب توازن القوى رأساً على عقب، وبات في وسع كل من الطرفين الرئيسيين في التحالف الرباعي ادّعاء مكاسب يجعلها شعاراً جذاباً لانتخابات حزيران: فريق يقول إنه فرض تطبيع الحوار مع سوريا وتثبيت العلاقات المميّزة، وآخر يقول إنه انتزع منها بالقوة العلاقات الدبلوماسية.
إلا أن سوريا لم تعد الآن جزءاً من المواجهة على غرار 2005. على الأقل في نظر المجتمع الدولي. لم يعد الأميركيون يتحدثون عن برلمان تستولي عليه سوريا وتفرض مشيئتها، بل عن قلقهم من أن يسيطر حزب الله على الغالبية، دون أن يقفلوا الأبواب أمام استمرار المساعدات العسكرية للجيش ودعم رئيس الجمهورية. لم يعودوا يتحدثون كذلك، وخصوصاً مع بدء أولى مراحل الحوار مع دمشق عن تدخّلها في الانتخابات، بل يبدون في قلب الشبهة عندما يؤكدون للبنانيين أن مستقبل بلدهم لن يكون ثمن مقايضة أو صفقة مع دمشق، الأمر نفسه بالنسبة إلى الفرنسيين الذين يطرون السوريين لاستجابتهم وساطتهم بتحقيق الاستقرار وإجراء تبادل دبلوماسي مع لبنان والتعاون مع رئيسه ميشال سليمان، بل يذهب الفرنسيون إلى أبعد من ذلك بتأكيدهم أنهم لا يؤيدون فريقاً لبنانياً ضد آخر، ويؤهّلون أنفسهم للتكيّف مع واقع سياسي جديد في لبنان إذا كسبت المعارضة الغالبية.
لم يكن الأمر كذلك عشيّة انتخابات 2005.