دعوا المحكمة تعمل وخفِّفوا من إجتهاداتكم
منذ الأول من آذار الحالي، إنطلقت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، إكتملت هيكليتها وهرميتها وأقسم قضاتها اليمين، أُنجز وضع قانون المحاكمات الجزائية الخاص بها، سُحبت الملفات من أيدي القضاء اللبناني وباتت في عهدتها، أعطت لنفسها مهلة شهرين لنقل المشتبه بهم إلى لاهاي حيث أُعدَّ كل شيء لهم، وهي تنتظر إنجاز مذكرة التفاهم بين الحكومة اللبنانية ومكتب المدّعي العام في بيروت.
* * *
تسير المحكمة الدولية وفق برنامج واضح شفاف لا مكان فيه للإجتهادات أو الإستنتاجات، ومع ذلك ما زال في لبنان مَن يجتهد في شأنها، فيُطلق العنان لمقارباته وأحياناً أمانيه ورغباته التي لا مكان لها في لاهاي وفي مجلس الامن الدولي.
الأمور واضحة لا لبس فيها ولا غموض:
المحكمة إنطلقت وقضاتها باشروا الإعداد لبدء عملهم، موازنة السنة الأولى تأمنت، فلماذا كل هذه الإجتهادات في لبنان؟
يأتي موقفٌ من الخارج فيبدأ تشريحه في الداخل، أو (يُفبرَك) تصريح يوضع في فم أحد مسؤولي المحكمة فتبدأ ردود الفعل عليه حتى قبل التأكد من صحته، يأتي نفيٌ للتصريح فلا يُكلِّف الذين علّقوا عليه أنفسهم عناء سحب تعليقاتهم، وهذا ما حصل بالفعل في الأيام الأخيرة حين نسبت إحدى الصحف الإيطالية لرئيس المحكمة انطونيو كاسيزي، مقابلةً أجرتها معه، ليتبيَّن أن المقابلة (مفبركة)، ولكن قبل ذلك كانت الردود عليها تتلاحق، وعندما تبيَّن أن المقابلة غير موجودة لم يسحب المعلِّقون تعليقاتهمّ.
* * *
إن دوراً كبيراً، في هذا المجال، يُفترض أن يقوم به وزير العدل ابراهيم نجار، فحين يلتزم عدم التعليق فإنه بذلك يُشكِّل قدوةً للآخرين بالتفكير ملياً قبل الإقدام على أي تعليق، ولكن حين تُصبح المحكمة المادة الرئيسية في تعليقات المسؤولين فإن تعليقاتهم تستدعي الردود فتنقلب الأمور إلى سجالات تبدأ ولا تنتهي، ولكن كل ذلك يحدث في لبنان فيما لاهاي هادئة، والعمل فيها يتم بجدية وفق تنظيمٍ دقيق.
* * *
يكاد ينقضي شهر على إنطلاق المحكمة الدولية، ألم يحن الوقت لإقفال هذا الملف في الداخل وسحبه من السجال الإعلامي؟
إن كل كلمة تُقال في الداخل، حتى لو كانت في غاية الأهمية، لا تساوي شيئاً في لاهاي بل هي تُستخدَم لأغراض إنتخابية، لكن فات المجتهدين إن المحكمة ليست قلم إقتراع وأن القضاة ليسوا مفاتيح إنتخابية، فرجاءً المطلوب القليل من الصمت.