لبنان: استعدادات لما بعد الانتخابات
ليس «قطوع» الانتخابات المقبلة في 7 حزيران (يونيو) هو ما يشغل اكثرية اللبنانيين. فقد تمر هذه الانتخابات على خير من الناحية الامنية، في ظل الاجراءات التي يجري التحضير لها. ولا مبرر ليكون الوضع غير ذلك، طالما أن الاستعدادات جارية لدى الطرفين الاساسيين في هذه المعركة، لمواجهة المرحلة التي ستلي هذه الانتخابات، ولطريقة التعاطي مع نتائجها. فالاكثرية الحالية لا تجد مصلحة لها في التعطيل او في تشويه مسيرة العملية الانتخابية، طالما انها تعتبر انها ستضمن الاحتفاظ بأكثريتها، والاقلية الحالية لا تخفي انه مهما كانت النتائج، فإنها لن تغير شيئاً في ميزان القوى الحالي وهو، بنظرها، في مصلحتها على الارض، وفي مصلحة الخيارات التي يهمها الحفاظ عليها. فهذا الفريق يرى ان الانتخابات قد تكون مهمة كمحطة سياسية لكنها ليست بالتأكيد تلك «المحطة التاريخية والمفصلية التي ستحدد الوجهة المستقبلية للبلد»، كما يراها فريق 14 آذار.
لم يعد سراً ايضاً ان الفريق الذي يعتبر حاله معارضاً حالياً، على رغم مشاركته في الحكومة، يجهز «اسلحته» للمواجهة المقبلة اذا كانت هناك حاجة اليها. وسوف يكون محور هذه المواجهة اساساً الاسلوب الذي سيعتمد لتشكيل الحكومة والصفة التي ستعطى لها. فالمعركة التي خاضها هذا الفريق من اجل فرض الحكومة الحالية للرئيس فؤاد السنيورة، على اثر اتفاق الدوحة، هي المعركة ذاتها التي باتت تظهر سحبها من خلال المواقف والبيانات الانتخابية، والتي تعتبر ان حكومة الوحدة الوطنية هي القاعدة التي يجب اتباعها عند تشكيل الحكومات بعد اليوم، بناء على نظرية الشراكة الوطنية وديموقراطية التوافق. تضاف اليها قاعدة الثلث المعطل، أو الضامن، التي تتحكم اليوم بقرارات حكومة «التوافق» الحالية. واذا كان لهذه المواقف من معنى فهو أن فريق 8 آذار جهّز نفسه بالعدة السياسية اللازمة لمواجهة خيارات ما بعد الانتخابات، فيما الفريق الاكثري منقسم على نفسه حيال المواقف التي سيعتمدها في المرحلة المقبلة، وهل ستقاطع كل اطرافه حكومة يمكن أن تشكلها المعارضة الحالية اذا كسبت اكثرية المقاعد النيابية، ام ان قسماً من هذا الفريق سيكون مستعداً للخروج على هذا الالتزام المعلن اليوم، من تيار «المستقبل» على وجه خاص، على ما أكد مجدداً رئيسه النائب سعد الحريري، وبالتالي الانضمام الى الحكومة، واعطاء الفرصة لفريق 8 آذار ان يقلع بهذه الحكومة، تحت شعار «التوافق».
واذا كان البعد الداخلي لهذه المواجهة المنتظرة حول صفة الحكومة المقبلة مهماً، فمن غير الواقعي اغفال البعد الاقليمي وبالأخص منه الموقف السوري من هذا الخلاف اللبناني. فالرئيس بشار الاسد كان بالغ الوضوح في حديثه الاخير الى الزميلة صحيفة «السفير» عند تطرقه الى هذا الموضوع من خلال قوله انه ليس لسورية اهتمام استثنائي بنتيجة الانتخابات اللبنانية المقبلة الا في ما يتعلق بما اتفق عليه في الدوحة حول ضرورة اقامة حكومات وحدة وطنية، مضيفاً: «أي حالة تعبر عن عدم التوافق في لبنان لن نتعاطى معها»، مما يعني ان العلاقات المقبلة بين سورية ولبنان لن تكون على الحال التي يتمناها كثيرون، خصوصاً بعد الخطوة الايجابية بتعيين سفير سوري في بيروت، في حال تشكلت حكومة غابت عنها صفة الشراكة بين كل الاطراف، كما هي حال الحكومة الحالية. وليست صفة الحكومة الجديدة هي مصدر الخلاف الوحيد المنتظر. فهناك ايضاً الدور الذي يفترض ان يلعبه رئيس الجمهورية في تسوية الخلافات السياسية، وخصوصاً حقه بالاشتراك مع رئيس الحكومة المقبل، في تسمية الوزراء. هنا ايضاً يجد فريق 8 آذار ان انتخاب الرئيس ميشال سليمان بنتيجة اتفاق الدوحة كرّس دوره المفترض كرئيس توافقي. وقد فسر الرئيس بشار الاسد هذا الدور في الحديث الذي اشرنا اليه بأن الهدف من اتفاق الدوحة، كان ان يأتي رئيس توافقي «يقوم بعملية مصالحة حول القضايا الخلافية». وبحسب هذا التفسير يصبح دور الرئيس ميشال سليمان هو دور من يسعى الى ايجاد حلول للخلافات، وأن يرعى الاتفاقات عند حصولها، من دون ان يكون له الحق في اتخاذ هذا الجانب او ذاك من المواقف. بكلام آخر سوف يؤخذ على سليمان توقيع مرسوم اية حكومة لا تحمل صفة «الوحدة الوطنية»، باعتباره مخالفاً لـ «وظيفته» كرئيس توافقي، وحتى لو لم تكن على هذا المرسوم اية شائبة من الناحية الدستورية.