السلطة..
لا يختلف اثنان يا إخوان… أو ثلاثة أو أربعة أو عشرة لبنانيين ناضجين، مكتملي الهوية والمشاعر والاعتزاز، على أن الانتخابات النيابية تأخذ بتلابيب كل الحركة السياسية الراهنة، وتستحوذ فعلاً، على جُلّ اهتمام المعنيين بها، أي نحو مليونين ونصف مليون لبناني يحق لهم التصويت.
أمرٌ مفهوم ومبرّر. إذ أن لعبة السلطة منذ بدء التاريخ هي ديدن ذلك التاريخ وأساس رواياته وحكاياته وقصصه وأخباره. منها يتفرّع كل تفصيل آخر، حتى لو كان من وزن الحروب ومواسم الذبح والقتل والإبادة، أو من وزن يتعلق بتراث معماري بنته أمم وحضارات سالفة، انقرضت هي وبقي هو شاهداً صامتاً على إنجازاتها.
ويُقال إن العصب المحرّك للسياسة هو الاقتصاد، والعصب المحرّك للاقتصاد هو التحكّم بالمال، وعصب التحكّم بالمال هو القدرة على السلطة وبسط النفوذ. كل الحروب الكبيرة والصغيرة على مرّ التاريخ، حركتها تلك "السوسة" المسمّاة سلطة، باعتبارها السند الأساسي للقدرة على الفعل والتأثير بالآخرين دينياً أو فكرياً أو عنصرياً أو اقتصادياً، وعلى التحكم بكل نواحي الجغرافيا وما يدبُّ عليها.
تعميم فضفاض واسع وبعيد المدى، لحالة محلية اسمها الانتخابات النيابية، لكنه تعميم يُستعار مع شيء من الفولكلور الهذياني للتأشير الى مركزية هذه العملية في الدول التي تحترم ناسها وإرادتهم، وتفتش عن جوامع لا تنفصم لمواجهة مشاكلها والحفاظ على كيانها وحماية هويتها من مخاطر الاندثار.
لكن الهواية المذكورة عندنا، تبقى مربوطة بقضايا أبعد مدى بكثير من النطاق الجغرافي لمركز الاقتراع وبيت التشريع. هي راهناً توازي لعبة الحياة والموت… ليست تنافساً على النفوذ والسلطة لهوى يحرّك اللاعبين في مضمارها، أكان ذلك الهوى شخصياً ـ نرجسياً أم وليد افتراض خلاصي من خلال برنامج للحكم يطال كل نواحي الحكم.. إنها، إضافة الى كل ذلك، استفتاء على "وجود" سياسي وغير سياسي. ومُشتبه كثيراً وكثيراً جداً، من يقلّل من وطأة صندوق الاقتراع في 7 حزيران على "الحياة" اللبنانية بكل أبعادها، وعلى معنى تأثير النتائج الآتية على لعبة النفوذ الوطني في بلد مثل بلدنا، مُعلّق منذ ثلاثين عاماً وأكثر على خشبة مسبوكة عند غيرنا، ومساميرها مصنوعة في دول أخرى ومنغرسة غصباً عنا في اللحم الحيّ للبنانيين.
انتخابات يفترض أن تليق بصانيعها و"أدواتها". ويفترض أن تحاكي التحفّز لملاقاة العصر وقوانينه وأنظمته، ويفترض، قبل كل ذلك، أن تترجم وتعكس نبض من مات ليحيا لبنان حراً، وسيداً في مقارعة تحديات التسوية النبيلة، وضرورات العيش ضمن ثقافة تُعلي شأن الحياة وتجمع محبّيها.