#adsense

الانتخابات وقوى المجتمع المدني

حجم الخط

الانتخابات وقوى المجتمع المدني

تفصلنا عن الانتخابات النيابية في 7 حزيران المقبل تسعة اسابيع.. الحملات الانتخابية بدأت بقوة.. بعضها معلن وبعضها غير معلن، لكنها جميعها انطلقت.. اللوائح شبه النهائية تشكلت، بعضها مفتوح، وبعضها مقفل، وان لم تكن هي بدورها قد اعلنت حتى الآن، لكنها اصبحت معروفة، وما قد يطرأ عليها من تعديل لن يكون الا بسيطاً. ولا جديد في كل ذلك، فمثل هذه الحال معهودة في الانتخابات اللبنانية، ولم تخل منها اي مرحلة، مثلما ان الانتخابات في لبنان تتأثر حتى ابعد الابعاد، بالمعادلات الدولية والاقليمية، وليس بالأبعاد المحلية فقط… هكذا كانت في السابق، وهكذا هي اليوم، وتقتضي الواقعية الاعتراف بذلك، لعلنا اذا اتفقنا على التشخيص نتمكن من سلوك الخطوة الأولى نحو التغيير ـ ولو تدريجياً ـ فنخرج عندئذ بالانتخابات من حالة التعبير الضيق الصغير عن الطوائف والمذاهب والمناطق، اي من حالة التنافس على النفوذ في السلطة، الى حالة التعبير الواسع الكبير عن الانسان والوطن، اي الى حالة الصراع السياسي الديموقراطي فعلاً بين الأفكار والبرامج والرؤى المستقبلية بمعزل عن المستنقع الطائفي الذي لم ينتج حتى الآن سوى الخراب والويلات.

لا نتوهم، ولا نحلم بأن الانتخابات الحزيرانية الآتية (اذا لم تتعرض للتخريب) ستخرجنا من هذا المستنقع الآسن الذي نتحدث عنه، والذي استهلكت طائفتيه ومذهبيته دماء آلاف اللبنانيين على مدى تسعة عقود، ودمرت مفهوم الدولة، والدولة نفسها، ولم تبق الا على مفهوم السلطة التحاصصية، وهي سلطة مأزومة على الدوام كونها بلا دولة مدنية تعاقدية جامعة قادرة سيدة ومستقلة، اي بلا وحدة وطنية فعلية، فمثل هذه الوحدة بمعناها المدني الانساني المنفتح غير موجودة في لبنان، وما هو موجود هو نوع من الفولكلور الذي كرّر ويكرر الأغنيات عن العيش المشترك، لكن هذه الأغنيات لم تمنع حرباً، ولم تحول العيش المشترك الى عيش وطني.

ولكن بالرغم من ذلك، وبالرغم من اعتراضنا على القانون الطائفي للانتخابات، تبقى للانتخابات أهمية كبيرة يجب أن نتمسك بها، فهي وسيلة ديموقراطية لا نريدها ان تزول، او أن تضعف، اذ انها تحتمل معنى القدرة على التغيير ولو في مراحل لاحقة، وتحتمل معنى تغليب سلاح الموقف والرأي مهما يكن على سلاح البندقية والحرب، واذا كانت الانتخابات في المنظومة التقليدية التي تحدثنا عنها آنفاً، لا تحمل الينا مفاجآت ـ، فانها على الأقل يمكن ان تصنع معادلات في اطار سلمي يستند اليها كل من يريد فعلاً ان يكون لبنان مستقراً، وان يكون تبادل قبول الآخر اساساً من أسس صياغة الحياة السياسية العامة.

وبناء على ما تقدم، فان قوى المجتمع المدني (بمختلف تشكيلاتها) مدعوة الى ان تمارس دورها في الحياة العامة ليس بأسلوب الجمعيات الخيرية الاحسانية، بل بوصفها قوى سياسية جديدة متحركة وفاعلة ومضطلعة بدور واسع، ولا سيما في حالة الشيخوخة المبكرة التي تصيب معظم القوى السياسية الراهنة، بحيث لا يجوز ان يبدو المجتمع عاجزاً عن تقديم البدائل وعن معالجة مشكلاته التي تجترها القوى النافذة من دون ان تقدم حلولاً، حتى ولو لم تكن حلولاً ناجعة مئة بالمئة.

قد يقال: ان قانون الانتخاب الحالي لا يسمح بحركة حرة امام قوى المجتمع المدني للمشاركة، وللتعبير عن نفسها، ولطرح البدائل… هذا صحيح، ولكن ليس هذا نهاية الطريق، فالبدائل لا تأتي بين ليلة وضحاها، والناخب الشعبي ليس أكاديمياً ليتفاعل معها بمجرد ان يقرأ شعاراً عن المساواة أو التغيير، أو التنمية، او حماية البيئة… الخ، بل ان طرح البدائل يحتاج الى مراكمة وتواصل وتفاعل ميداني ونشاط استثنائي بين الناس تمهيداً لخطوات نحو التغيير. ولهذا ، فان قوى المجتمع المدني لا عذر لها في المرحلة المقبلة، اذا لم تنشط في الميادين الآتية:
أولاً: بلورة صيغة اتحادية بين أكبر عدد من قوى المجتمع المدني في لبنان.

ثانياً: بلورة صيغة عملية في السنوات الأربع المقبلة للمشاركة ترشيحا منظماً في انتخابات 2013 شرط ان تراكم طرح الأفكار المدنية الاصلاحية تباعاً، كي تتمكن من استنهاض وعي الناخب نحو مصالحه.
ثالثاً: بلورة ممارسات سياسية جديدة متطورة تقوم على تقديم البرهان للبنانيين، ولا سيما أجيال الشباب، بأن الوحدة الوطنية لا تقوم على الطائفية، وبأن فدرالية الطوائف لا يمكن ان تتحول الى وحدة وطنية، وأن الدولة المدنية التعاقدية هي الممر الالزامي لترسيخ فكرة الوطن المستقل، والدولة المستقلة.

رابعاً: بلورة وعي يومي حيوي يحترم مبدأ المحاسبة والمراقبة للسلطة: التشريعية والتنفيذية، بمعنى ان تنشط قوى المجتمع المدني في هذا المجال، وأن تفعل حضورها الاعلامي كي تستنهض في الناخب القدرة على محاسبة المسؤولين، وهو من أهم مبادئ الديموقراطية.
خامساً: بلورة وعي تنموي حديث، نحن في أشد الحاجة اليه في لبنان، ليس لحاجاتنا التنموية فقط، بل من أجل تحديث الحياة السياسية، فالتنمية محرك اساسي يجب ان يكون في صلب خيارات الناخبين بدلا من الخيارات الاوتوماتيكية التي نراها الآن.

لا يعني ذلك ان قوى المجتمع المدني تلقى عليها وحدها مسؤولية الانقاذ، فالقوى السياسية بكل تنوعاتها هي مسؤولة بالدرجة الأولة، لكن المقصود هو ان تشارك قوى المجتمع المدني مشاركة فعالة في الحياة السياسية بمبادرة منها، ومن دون ان تنتظر أحداً ليعطيها الدور، كي تتمكن من ان تكون قوى ضاغطة ودافعة نحو التغيير. وهذا ما يهمنا لأننا لا نريد ان يكون غدنا مثل حاضرنا.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل