#adsense

النظام الدستوري اللبناني والديمقراطية

حجم الخط

النظام الدستوري اللبناني والديمقراطية
المحامي جورج ابو صعب

في اطار ما يقال ويشاع عن رغبة لدى البعض في تعديل اتفاق الطائف الذي أرسى القواعد الدستورية للنظام اللبناني، وفي ضوء كلام قوى 8 اذار من ان لبنان محكوم بالديمقراطية التوافقية مهما كانت نتائج الانتخابات النيابية المقبلة.

نرى ان ثمة حاجة لطرح موضوع طبيعة الديمقراطية في النظام الدستوري اللبناني الحالي بالاستناد الى نص الدستور واتفاق الطائف وصولا الى اثبات ان النظام الدستور اللبناني ليس بدستور ديمقراطية توافقية بل دستور ديمقراطية مؤسساتية تدحض النمط التقليدي في الممارسة التي بنيت منذ فجر الاستقلال على الاستهتار بالنصوص والتعلق بالعادات والاعراف على حساب النص، مما ادى ويؤدي الى غياب المعايير الثابتة في التعاطي في الشأن العام وفي سير حياة المؤسسات الدستورية.

اولا: في الديمقراطية المؤسساتية في نصوص وثيقة الطائف:

1- اقر اتفاق الطائف في مبادئه العامة والاصلاحات مبدأ "الديمقراطية البرلمانية" ومن يقول ديمقراطية برلمانية يعني بحسب الفقيه (جورج بوردو ) النظام الذي بموجبه ادارة الشؤون العامة تعود للبرلمان ولرئيس الجمهورية بواسطة حكومة مسؤولة امام البرلمان… GEORGES BURDEAU .

وبالتالي لم يضع الطائف اساسا لبرلمانية ديمقراطية توافقية بل اعتمد قواعد البرلمانية المؤسساتية التي تجعل من حكومة مسؤولة امام الشعب عن اعمالها من خلال البرلمان، فليس هناك من توافق في ادارة شؤون الدولة بل ديمقراطية مؤسساتية واضحة.

2- اقر اتفاق الطائف ايضا في الفقرة نفسها (المبادئ العامة والاصلاحات) مبدأ مؤسساتي اخر هو "سيادة الشعب التي يمارسها عبر المؤسسات الدستورية". ما يعني ان الاليات الدستورية اعطت للشعب صاحب السيادة الحق والسلطة في التعبير عن سيادته عبر المؤسسات واول هذه المؤسسات الانتخابات البرلمانية:

وفي هذا الاطار يقول الفقيه الدستوري الفرنسي لافيريير J.LAFERRIERE ان الديمقراطية هي التعبير السياسي للاشكالية الذي يأتي مبدأ السيادة الوطنية لجلائها… ما يعني ان الديمقرطية لا تبنى الا من خلال هذا الجسم الشعبي من الناخبين الذين يقولون كلمة الفصل في ادارة شؤون الدولة العامة من خلال اساليب الديمقراطية التمثيلية DEMOCRATIE REPRESENTATIVE وهي التي اعتمدها النظام الدستوري اللبناني. لذلك فان الشعب صاحب السيادة وبالتالي مصدر السلطات، فلا وجود اذا للديمقراطية التوافقية هنا ايضا.

3- اقر اتفاق الطائف ايضا مبدأ "ان لا شرعية لاي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك": وقد احتج الكثير من القوى السياسية اللبنانية في السنوات الثلاث الاخيرة واجتهدوا في تشويه وتفريغ هذا المبدأ من مضمونه الدستوري ليتحول الى مادة سجالية ابعد ما تكون عن روحية الدستور والنظام الدستوري: فهذا المبدأ يتوجه الى قاعدة العيش المشترك اي احترام صيغة التوزيع الطائفي للوظائف والمقاعد السياسية والعامة والوظيفية في الدولة وتركيب السلطات. ولا تعني ابدا احترام الكوتا الحزبية والسياسية لقوى 8 اذار فالشرعية هي للسلطات وليست للمؤسسات، ما يعني ان المؤسسات الدستورية لا تستمد شرعيتها من اعتراف هذا الحزب او ذاك التيار به بل من صلب التوزيع الطائفي فقط بحيث اذا جاء من يمثل طائفته ولو من خارج الحزب الطائفي الاكثري اعتبر ذلك احتراما للميثاق وللعيش المشترك.

فالمؤسسات تمثل السلطات وتمارسها، وبالتالي يبقى المهم لتكون السلطات شرعية ان تكون محترمة للتوزيع الطائفي وليس للتوزيع السياسي للقوى الموالية او المعارضة. من هنا الموقف السليم دستوريا لقادة 14 اذار الذين يصرحون بانهم لا يستطيعون ان يدخلوا حكومة كاقلية بعد الانتخابات اذا فازت قوى 8 اذار. وهذا ما يفسر فشل وشلل البدعة الحكومية الحالية التي جعلت من الحكومة الحالية تضم موالين ومعارضين في ان معا مما امعن في شلها وفي تحول الحكومة الى مسخ عجيب غريب تخطى كل الاسس القانونية والدستورية والسياسية المعاصرة. فاذا اصبحت المعارضة او الاقلية خارج الحكم فهذا هو صلب النظام الدستوري الديمقراطي البرلماني لان المعارضة تستطيع مراقبة الاكثرية في البرلمان واسقاطها اذا اقتضى الامر بينما عندما تكون في الحكم الى جانب الاكثرية تصبح هي ايضا اكثرية وبالتالي تصبح ايضا مسؤولة عن الحكم ومتضامنة في ممارسة الحكم واعماله.

ثانيا: في الديمقراطية المؤسساتية في نصوص الدستور اللبناني:

1- اعتماد مبدا الفصل بين السلطات: اعتمد الدستور اللبناني مبدأ فصل السلطات وتعاونها، وهذا المبدأ الدستوري ينافي فكرة الديمقراطية التوافقية في انه يجعل كل سلطة مستقلة عن بعضها ولكن متعاونة ومتوزانة: اي انها لا تشكل دول في قلب الدولة او سلطات متناحرة في قلب المؤسسات الدستورية، ولا تتبع احداها الاخرى ولا تتأثر بها: وفي هذا الاطار يقول المبدأ الدستوري ان السلطة توقف السلطة LE POUVOIR ARRETE LE POUVOIR بحسب مونتسكيو واضع فلسفة الفصل بين السلطات – ويقول العلامة الدستوري بوردو BURDEAU شرحه لقواعد نظرية مونتسكيو MONTESQUIEU لتأمين نظام سياسي مبني على توزان السلطات يميز مونتسكيو بين الادوار المعطاة للمؤسسات العامة او الدستورية للدولة نسبة للقانون: فالبعض يشرع ويضع القوانين (السلطة الاشتراعية ) والبعض الاخر يطبقها (السلطة التنفيذية ) والبعض الثالث يحكم في النزاعات الناشئة عن تطبيق او تنفيذ تلك القوانين فالدولة مشروع حكم…

وبالتالي ان الفصل بين السلطات يمنع سلطة من التدخل في شؤون سلطة اخرى ولكنه يتطلب التعاون وهذا التعاون هو الذي يتخذ اشكال التفويض للحكومة بقانون صلاحيات تشريع استثنائية لفترة محددة. في المقابل على السلطة التشريعية التي هي ايضا سلطة رقابة ومحاسبة لاعمال السلطة التنفيذية ان تحاسب وتراقب اعمال الحكومة وصولا الى طرح الثقة واسقاطها مرورا بالتعاون في احالة مشاريع القوانين واقتراحات القوانين بين السلطتين وهذه هي حدود التعاون والتوازن، فهنا ايضا لا ديمقراطية توافقية في الدستور الحالي بين السلطات.

2- والدستور اللبناني اعتمد مبدأ توافر النصاب والاكثريات في انعقاد السلطات والجمعيات والهيئات العامة كما في اتخاذ القرارات العامة ونجد في نصوصه العديد العديد من الاحكام التي لا تقر بتوافق او بديمقراطية توافق بين اعضاء ورؤساء السلطات ليس اقلها:

أ‌- نصاب افتتاح عقود استثنائية من رئيس الجمهورية بطلب الاكثرية المطلقة من مجموع اعضاء مجلس النواب.

ب- نصاب قانونية اجتماع المجلس النيابي بحضور الاكثرية من الاعضاء الذين يؤلفونه وغالبية الاصوات لاتخاذ القرارات والا سقوط المشروع المطروح ( وليس التوافق عليه).

ج- الغالبية الموصوفة المطلقة من اصوات المقترعين لانتخاب رئيس ونائب رئيس المجلس النيابي (وليس بالتوافق) والغالبية النسبية في دورة اقتراع ثانية للانتخاب.

د- اكثرية الثلثين من مجموع اعضاء المجلس لنزع الثقة من رئيس المجلس النيابي او نائبه.

ه- سلطة رئيس الجمهورية بالطلب من مجلس الوزراء حل البرلمان وسلطة مجلس الوزراء بالحل والدعوة الى انتخابات مجلس نيابي جديد.

و- نصاب ثلثي عدد اعضاء الحكومة المحدد في مرسوم تشكيلها في المواضيع الاساسية كتعديل الدستور واعلان حالة الطوارئ والغاؤها والتعبئة العامة الخ…

فثمة العديد من النصوص الدستورية التي كرست مبدأ التنافس الديمقراطي وديمقراطية العمل الدستوري والمؤسساتي، وبالتالي فان الخطورة التي كانت ولا تزال تتهدد النظام الدستوري والسياسي اللبناني تتمثل في ان البعض من قادة السياسة يبطلون عمدا مفاعيل تطبيق النصوص الدستورية الضامنة لديمقراطية دستورية لحساب بدعة التوافق على كل شيء وكأن الاختلاف في الراي والرؤية فضيحة او كاننا محكومون بان لا يقول احد منا كلا للاخر اي استمرار التكاذب الذي بنيت عليه صيغ لبنان الحديث في السياسة وادارة شؤون الناس.

وبالتالي وختاما ليس في النظام الدستوري اللبناني ولا في اتفاق الطائف ما يشير او يكرس مبدا الديمقراطية التوافقية، بل المبدا المعتمد هو الديمقراطية المؤسساتية لا بل ديمقراطية الشعب صاحب السيادة عبر مؤسساته. وهكذا نريد ان تأتي الانتخابات المقبلة في 7 حزيران عبورا من دولة التوافق والتركيبات التي تجهل الفاعل والمسؤول الى دولة الدستور والديمقراطية التي تجعل من اغلبية تحكم في ظل مراقبة الاقلية تحت تحكيم الشعب. وعلى هذا الاساس نبني دولة جديدة وعصرية بعيدة عن المساومات والكذب والتكاذب والمسايرة على حساب الوطن والمواطن.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل