الانتخابات والأمن
من نافل القول ان لا انتخابات من دون أمن. ومن البديهي ان تكون للانتخابات صيغتها الامنية الخاصة التي تتيح للمواطنين التوجه الى صناديق الاقتراع للادلاء بأصواتهم بحرية تامة. وقد التزمت الحكومة اجراء الانتخابات في يوم واحد في كل لبنان، على الرغم من الشكوك التي ترتسم حول قدرة الاجهزة والقوى الامنية على السيطرة على العملية الانتخابية على كل الاراضي اللبنانية. ومعلوم ان ثمة تباينا في الآراء بين وزيري الداخلية والدفاع حول قدرة الجيش والقوى الامنية على ضبط امن الانتخابات النيابية في يوم واحد. ومع ذلك فقد قررت الحكومة الخوض في الامر، فلا بأس بالمحاولة نظرا الى الايجابيات الكثيرة التي ينطوي عليها اجراء العملية الانتخابية في يوم واحد. |
لكن الأهم من يوم السابع من حزيران، هو الطريق اليه. فإغتيال اللواء كمال مدحت نائب ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، وبعده ضبط سيارة بكفيا "المُقنْبلة" امام منزل الرئيس امين الجميل، فضلا عن التحذيرات الامنية الجديدة التي بلغت عددا من القيادات السياسية الاستقلالية وبعض المرشحين في مناطق حساسة، ومعهم عدد من الوجوه الاعلامية تدعوهم الى الحذر الشديد في المرحلة الراهنة في تنقلاتهم مخافة ان يتعرضوا للسوء، كل هذه العوامل تثير القلق، ولا سيما في ظل التناقض في قراءة الخريطة السياسية العربية الجديدة بعدما كثر الحديث عن مصالحات.
ففي حين يقرأ البعض المرحلة على انها مرحلة انتظار وترقب وتهدئة بناء على حركة سبر اغوار الحوار الاميركي- الايراني والانفتاح الدولي والعربي على سوريا، يقرأ البعض الآخر المرحلة على انها محفوفة بالاخطار، وان الانتخابات اللبنانية تمثل لاكثر من جهة، ولا سيما لسوريا وايران، محطة اساسية على طريق "استعادة" لبنان من مرحلة الاستقلال التي دفعته اليها ثورة الارز.
سوريا تنظر الى الانتخابات على انها مناسبة للثأر ممن اخرجوها من لبنان عام 2005. والمسألة تتعلق بـ"عقدة لبنان" المستحكمة بالرئيس بشار الاسد شخصيا الذي استخدم عبارة "خسرنا لبنان" في معرض حديثه عن مرحلة 2005، فلم ير في تلك المرحلة توقا لبنانيا مشروعا للتخلص من سيطرة دولة جارة، من اجل تحقيق حلم اي شعب، عنينا الاستقلال. وربما احتاج استعماله عبارة "خسارة لبنان" الى استخدام اداوت التحليل النفسي لمعرفة ما يكنه الرجل لبلد الارز. ولعل التذكير مفيد بفكرة استنبطها احد منظري النظام السوري بعد غياب الرئيس حافظ الاسد هو اللواء بهجت سليمان ومؤداها ان الخروج من بيروت سيؤدي الى خروج النظام من دمشق! من هنا مشروعية الظن بنيات النظام في سوريا بشأن لبنان، ومشروعية الافتراض ان معركة الانتخابات ستمثل تحديا مفصليا بالنسبة الى سوريا.
ايران من ناحيتها تحتاج الى انتصار مزدوج: الاول على القوى الاستقلالية، والثاني على الحلفاء المرتبطين بسوريا مباشرة عبر التفوق عليهم بواسطة "حزب الله". وهي عبر الحزب المذكور تمتلك قاعدة متقدمة على الشاطئ الشرقي للمتوسط قبالة اوروبا، وتشتبك عبر خطوط تماس مباشرة مع اسرائيل في الجنوب اللبناني. انها اوراق ثمينة جدا تضاف الى "امارة غزة" ونفوذها المتعاظم في الداخل السوري على اكثر من صعيد.
اما الغرب، ومعه النظام العربي الرسمي، فمُشتتان في مواجهة الطموحات السورية والايرانية، الى درجة ان بريطانيا تفتح حواراً مع "حزب الله" قبل شهرين من الانتخابات النيابية بناء على قراءة بدأت تتسلل الى دوائر القرار في واشنطن ولندن تدعوا لى حوار مع الراديكاليات الاسلامية استنادا الى فشل السياسات الغربية عقب هجمات 11 ايلول التي اتسمت من ناحيتها بالراديكالية وقامت على منطق القوة.
في المحصلة يبقى الامن قرارا سياسيا في يد القوى القادرة على تهديده. ويبقى لبنان معلقا على حبال الصراع الجديد على الشرق الاوسط. وفي الطريق تزرع كل الاخطار الامنية في مسافة زمنية تجاور السبعين يوما، وتبدو للبنانيين كأنها الدهر بعينه!