تركيز ديبلوماسي على التحوّلات السياسية وأثر السنوات الأربع الأخيرة
لماذا يكتسب الصوت المسيحي في الانتخابات أهمية "مصيرية"؟
كيف يصوّت المسيحيون في الانتخابات النيابية في 7 حزيران المقبل؟ السؤال تفرضه جملة عوامل من بينها اعتبار كثيرين في الداخل والخارج على حد سواء ان خيارات المسيحيين في المناطق التي يتمتعون فيها بثقل شعبي وليس في المناطق ذات الثقل الطائفي المختلف هي التي سترجّح امكان استكمال "انتفاضة الارز" او انتفاضة الاستقلال التي انطلقت في 14 آذار 2005 او احلال المشروع الخصم الذي لا يبدو منه واضحاً سوى تمسك "حزب الله" بسلاحه.
فهناك استطلاعات للرأي متعددة تتحدث عن "اكثرية ما" باتت كبيرة في المناطق المسيحية وانسحبت من الاصطفاف او من الخيار الذي اعتمدته في انتخابات عام 2005، اي خيار دعم "التيار الوطني الحر" بعد التحول الجذري في مواقفه الوطنية، وهو منحى اعطى مؤشرات واضحة بهذا الاتجاه في الانتخابات الفرعية في المتن الشمالي. لكن ما ليس واضحا هو ما اذا كانت هذه الاكثرية ستمتنع من المشاركة في الانتخابات ام انها ستعبر عن نفسها بخيارات مختلفة.
اضافة الى ذلك، هناك رغبة قوية في معرفة ما اصبح عليه المزاج المسيحي عموما، وهو مزاج يثير تساؤلات كبيرة لدى المراقبين الديبلوماسيين من حيث الاحتمالات الكبيرة لعدم قيامه بمحاسبة المسؤولين عنه نتيجة الخيارات السياسية التي اعتمدها هؤلاء وتسببوا بها لهم بمآسٍ كبيرة. فبالنسبة الى هؤلاء، فان المسيحيين الذين اعتبروا انفسهم دوماً من النخبة المثقفة والمتعلمة في لبنان حاسبوا في وقت من الأوقات كلا من الكتائب و"القوات اللبنانية" على الخيارات السياسية التي اعتمدها كل منهما ابان الحرب. لكنهم توقفوا عن هذه المحاسبة بعد ذلك، ما لم يظهروا في الانتخابات المقبلة انهم لا يمكن ان ينقادوا الى اي مكان من دون محاسبة او من دون تقويم للمراحل السابقة، خصوصا ان قادتهم راهناً مسؤولون بالتكافل والتضامن عن الوضع الذي آل اليه المسيحيون سياسياً في لبنان وانعكاس ذلك على موقعهم في الخارج ايضاً.
اضف الى ذلك ان خيارات المسيحيين في الانتخابات المقبلة سترتب عليهم مسؤولية تاريخية عن مضي لبنان في خياره الاستقلالي ونحو اعادة بناء دولة قوية بمؤسساتها الشرعية اذ سيصعب عليهم في اي مرحلة مستقبلية خوض المعارك السياسية او سواها كالتي خاضوها سابقاً، تماما كما حصل حين تُحمّل "الجبهة اللبنانية" عام 1976 مسؤولية ادخال سوريا الى لبنان بذريعة حماية المسيحيين. فهذه المسؤولية ألقيت على عاتقهم ولا تزال بعد "مقاومة" دامت 30 عاما لخيار بدا صائبا في ذلك الحين بالنسبة الى القائمين به.
وتالياً، السؤال الذي يثيره المراقبون جميعهم هو: ماذا يريد المسيحيون فعلاً، خصوصا ان الاعوام الاربعة الاخيرة شهدت تبدلات جذرية على مستوى لبنان وعلى مستواهم الطائفي الى درجة يعجز كثيرون عن الجواب الفعلي عن ذلك؟
وليس واقعياً بالنسبة الى هؤلاء المراقبين الاستهانة بهذه الانتخابات و"مصيريتها" المرتبطة اصلاً بالتصويت المسيحي. اذ ان دولاً عدة ترتبط علاقاتها المقبلة بلبنان في ضوء نتائج هذه الانتخابات. فاذا فازت فيها قوى 8 آذار فان هذا الفوز ينظر اليه كفوز لـ"حزب الله" وسوريا في الدرجة الاولى، ولو انه يكون فوزاً ايضاً لـ"التيار الوطني الحر" بزعامة العماد ميشال عون الذي ليس خافياً مقدار العمل على تقويته في مناطق الثقل الشيعي تدعيماً لوضعه وموقعه.
وهذا الفوز، في حال حصوله، يطرح مشكلة حقيقية بالنسبة الى لبنان من حيث تأكيد بعض الدول انها ستدرس المسألة حين تطرح، مما يعني ان موقفها وعلاقاتها مع لبنان قد تشهد تغييراً ملموساً.
وثمة من يرى في سعي الرئيس نبيه بري الى تقليل اهمية هذه الانتخابات واعتباره اياها "اقل من عادية" في موازاة اصراره على حكومة وفاق وطني، طمانة للخارج في الدرجة الاولى، علماً ان لهذا الموقف ابعاده الداخلية ايضاً. فالاداء الذي تقوم به قوى 8 آذار راهناً في اطار المزايدات الانتخابية سيؤثر سلباً وبقوة على مستويات عدة اذا رغبت فعلاً في اعتماده لاحقاً في حال فوزها بالاكثرية. فهذه القوى تتصرف في موضوع البنزين مثلاً، على ما اعلن نواب من هذه القوى في الجلسة الاخيرة لمجلس النواب او في موضوع مجلس الجنوب وسواهما من المسائل الشعبية، كما لو ان لها حقوقاً على الخزينة وهي ليست مسؤولة عن مواردها. في حين ان الوضع لن يكون كذلك اذا فازت في الانتخابات، علماً ان كل التبريرات التي ستقدمها في مواجهة اي مشكلة انها ورثت ديناً باهظاً على الدولة تتطلب معالجته سنوات، هذا اذا لم تتذرّع ايضاً بالمعارضة التي يمكن ان تشكلها قوى 14 آذار حينئذ لتبرير العجز في ادارة الدولة. وهناك ايضاً امكان مقاطعة الدول الكبيرة لها او عدم تقديم المساعدة اليها، كما كانت تفعل حيال الحكومات التي كانت برئاسة الرئيس رفيق الحريري او الرئيس فؤاد السنيورة. فهذه القوى لم تقدم الى الآن مشروعاً انتخابياً ولا برنامج حكم علماً ان احد ابرز افرقاء المعارضة حالياً اي "التيار الوطني الحر" قدم برنامجاً في انتخابات 2005 ما لبث ان نسفه من اساسه على كل الصعد. ولو ان المسيحيين سيحاسبون فعلاً لتوجبت عليهم محاسبة هذا الفريق على اساس البرنامج الذي صوتوا له بالاكثرية في حينه.
في اي اتجاه سيأخذ المسيحيون لبنان في المرحلة المقبلة؟
هذا ما ينتظر ان تجيب عنه الانتخابات، باعتبار انه لا يعتدّ كثيراً باستطلاعات الرأي التي يرى كثيرون انها باتت "غبّ الطلب". كما لا يعتدّ ايضاً بآراء السياسيين المتعددة والمختلفة في هذا المجال. لذلك، ولهذه الاعتبارات جميعها، تكتسب الانتخابات اهميتها الكبرى.