بدأ ينزلق بسرعة نحو اللاتوازن السياسي والوطني
عون يتناول الكلّ بهجائه حتى رئيس الجمهورية ويقوم بدوره كاملاً كحصان طروادة لضرب الخط السيادي
دخل رئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب العماد ميشال عون، مرحلة جد دقيقة بالنسبة اليه، في ظل التفاعلات الاقليمية بانعكاساتها على الداخل اللبناني حيث بدا في مواقفه الاخيرة، ابان استضافته من قبل المؤسسة اللبنانية للارسال في برنامج كلام الناس الذي يقدمه الزميل وسأل غانم انه خارج خط التحولات والتقاربات التي تحصل او مرتقب لها ان تحرز تقدماً، اذ بقي على مساره التاريخي غير قارئ للتطورات والتحولات، اسوة بما حصل في العام 1989 بعد ان سعى يومها لانقاذ ذاته من خلال فراره من قصر بعبدا، الى مقر السفارة الفرنسية، تاركاً وراءه عدداً كبيراً من الضحايا والشهداء وفي مقدمتهم الكرامة والسيادة اللبنانية التي ترجمت بسقوط قصر بعبدا من الشرعية.
واذ كان التاريخ يعيد ذاته مع النائب العماد عون بعد عقدين من الزمن، فان ضحاياه هذه المرة الى جانب البلاد نتيجة خياراته السياسية ما زالت هي ذاتها، ومنها على سبيل المثال ترشيح نائب رئيس الحكومة اللواء عصام ابو جمرة في منطقة بدت نتائجها واضحة منذ اليوم لصالح خسارة القيادي في التيار ابو جمره امام الآنسة نائلة تويني، وكذلك يأتي العميد المتقاعد فايز كرم، في موقع الضحية للمرة الثانية بعد العام 1999، ولكن هذه المرة اثر التضحية به كمرشح تغييري واصلاحي عن التيار الوطني الحر، واسقاطه معنويا كضابط له تاريخ في دائرة زغرتا. بعد اعلانه تخليه عن دعمه له في ترشيحه عن احد المقاعد المارونية في هذا القضاء.
لكن يبدو ان النائب ميشال عون، باتت تضيق عليه خيوط الشرنقة التي ادخل ذاته فيها بعدما اغرته الحوافز وسقوط المبادئ والشعارات، وبات ينطبق عليه قول المثل «خصمك كل ما جنّ افرحلو».
وبذلك فان مواقف النائب عون عكست هذا الواقع، وفق الاعتبارات التالية: 1- فهو يريد تعديل اتفاق الطائف، تعزيزا لصلاحيات رئاسة الجمهورية، في حين ان هذا الاتفاق الذي شكل مخرجا من الحروب الخاسرة التي قادها، هو خلاصة معادلة دولية – اقليمية بتوافق داخلي، وان محاولته استعادة صلاحيات رئاسة الجمهورية في لحظة يقظة ضمير ربما، لما اصاب هو موقع الرئاسة، كانت تتطلب في الاساس تسهيله انتخاب رئيس للجمهورية وتعزيز موقعه من خلال حصوله على معادلة الوزراء العشرة لصالحه، لكنه عرقل هذه المبادرة التي طرحتها دول عربية اسلامية، وحظيت بدعم غربي لانقاذ رئاسة الجمهورية من الفراغ في ظل رهانه على ان يكون الرئيس الخلف كحليفه الرئيس العماد اميل لحود، وان تعديل الطائف الذي طلب منه طرحه من جانب حلفائه، لن يكون سوى لصالح المثالثة، على حساب التوازنات القائمة حالياً.
2- اساءته لرئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال سليمان، الذي يحظى بدعم دولي وعربي واجماع لبناني واحترام لم يتوفر لأي ممن تواجدوا في قصر بعبدا منذ العام 1988 حتى طي صفحة الفراغ، وانه عمد الى وصف رئيس البلاد «رئيس تشريفات»، بعد ان كان مضى اسبوع على عودته من فرنسا تلبية لزيارة دولة، اتت لتؤكد على الدعم الرئاسي له وللبنان، في موازاة المواقف الدولية – العربية ومن بينها حلفاء النائب عون في خط الممانعة، على اسلوب وقدرة الرئيس سليمان على ادارة البلاد واعادتها الى الخارطة السياسية بعد ان غابت منذ العام 1988 حتى نهاية عهد الرئيس السابق اميل لحود.
3- تهجمه على رئيس مجلس النواب نبيه بري، ودخوله على خط المعادلة المغلقة داخل الطائفة الشيعية، وليس فقط من خلال تنكره للتحالف الحتمي مع الرئيس بري من ضمن الانتظام في محور 8 آذار، بل من خلال تحفظه على انتخابه واعطاء اشارة للطائفة الشيعية او القوى السياسية الفاعلة فيها، بأن المطلوب التوافق على مرشح غير الرئيس بري لرئاسة مجلس النواب، دون تقديره بذلك حجمه في معادلة من هذا النوع. وبالتالي احراج حليفه «حزب الله».
4- رفضه تسمية رئيس تيار المستقبل النائب سعد الحريري لرئاسة الحكومة في خطوة هي من جانب حق ديموقراطي له، لكنها لا تنم عن قدرة لديه في القراءات السياسية اسوة بالعام 1988، اذ ان حليفه «حزب الله» ومرشده السياسي وتياره في عدة محطات، يعرب عن رغبته بتسمية النائب الحريري لرئاسة الحكومة، انطلاقاً من قدرته على استجلاب دعم خارجي للبنان، وحرصا على خصوصية المعادلة رغم ان النائب الحريري اعلن عن عدم قبوله برئاسة الحكومة في حال خسارة فريق 14 آذار، رافضا بذلك استعادة التجربة التي حصلت مع والده الشهيد رفيق الحريري، وعرقلته من قبل المحور الذي ضم حاليا النائب عون الى صفوفه.
5- وضعه الكنيسة المارونية في موقع المعادي له، على قاعدة ان الذي ليس معي ضدي، متنكراً لكل مواقفها المطالبة بعودته من منفاه، قبل عقده صفقة العودة مع الرئيس اميل لحود، الذي طلب منه ان يكون «حصان طروادة» داخل الصف السيادي ويتولى الدور الذي هو عليه حاليا.
6- كلامه عن النائب ميشال المر، الذي غادر التكتل الذي يرأسه النائب العماد عون، بعدما لمس بأنه يعمل على تعطيل الحياة السياسية، وتعزيز حالة الفراغ في محاولة لتحقيق احلام لن تتحقق.
وان النائب المر كان سبق مغادرته التكتل، خلاف غير معلن، مع العماد عون حول موقف هذا الاخير من البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير.
وهي نقطة خلافية تضاف الى رفض النائب المر يومها استمرار الفراغ في المقام الرئاسي المسيحي، في ظل وجود رئيس لكل من رئاسة مجلس النواب الشيعية ومجلس الوزراء السنية، وتوسع النائب عون في كلامه من النائب المر، ليطاله في واقعه الانتخابي الذي يتميز به كقوة فاعلة ساهمت في انجاح اللائحة في العام 2005 وعملت على انقاذ النائب عون امام الرئيس امين الجميل في العام 2007.
وهو قادر حالياً من خلال التحالف القائم بينه وبين حزب الكتائب الذي سيستكمل بتحالفات مع قوى وفعاليات سياسية ومناطقية من اسقاط تحالف النائب عون مع النائب غسان الاشقر.
في معادلة لم يتضح فيها بعد الموقع النهائي الانتخابي لحزب الطاشناق.
واذا كان النائب العماد ميشال عون يبرر ضمه الى محور الممانعة، على انه قرأ هذه التحولات ابان زيارة واشنطن، فان المنطق الاستراتيجي لا يحتمل قراءتين، وهو ما يتطلب السؤال عن انجاله على البلاد والشعب بقراءته في العام 1988التي لم تنته مفاعيلها بعد وكذلك اوجاعها وآلامها، الا ان المراقبين يتوقفون امام موقع النائب عون كأحد اقطاب طاولة الحوار، ومدى صحة تواجده السياسي لا النيابي اليها، لانه اذا ما اعلن الرئيس بري موقفاً من الانتخابات واصفا اياها بالعادية، او اعلن النائب سعد الحريري عن موقف من مشاركته في الحكومة، او قال النائب وليد جنبلاط كلاماً عن التحالفات، وعرض النائب محمد رعد موقفاً من سلاح المقاومة، او اطلق الدكتور سمير جعجع كلاما حول الاستراتيجية الدفاعية، او طرح النائب ميشال المر رأياً حول ضرورة التكتل المستقل، ام كان لحزب الطاشناق موقفا من موقعهم في المناطق، يجري التوقف حكماً امام مضامين هذا الكلام، في حين ان ما دأب النائب عون على اعلانه حول موضوع الفساد لدى الاخرين من اجل اتهامهم ومطالبته بالاصلاح لدى الفريق المعارض له، وفق منطق غريب اسقط المصداقية لدى العماد عون على خلفية تحالفاته والاشاعات التي بدأت تحيط به وبقياداته العائلية عن حالات فساد، ومع ذلك فان النائب عون خلافاً لاقطاب الحوار لم يعد يقدم مادة سياسية ويستمر الدوران داخل الشرنقة غافلاً عما يحيط به وما يحصل حوله وربما عليه او على حسابه.