وأي كيد هذا؟
بقيت عالقة في حلقي يا إخوان… خبرية إمتناع أهل الممانعة في مجلس النواب عن تمرير مشروع اقتراح قانون التعديل الدستوري الذي تقدم به نواب 14 آذار لجعل التوطين مستحيلاً من خلال طلب الإجماع في أي شأن يصبّ في مجراه.
كتبتُ وكتب كثيرون عن الأمر، لكنني شخصياً لم أفشّ كل خلقي بعد، وبقي الموضوع يطنّ ويرنّ ويئنّ، ويحور ويدور في رأسي على مدى الأيام الماضية. وزاد قلقي "كأن الريح تحتي" بعد سماعي مضطراً آسفاً مكسور الخاطر، مقابلة متلفزة لأحد أساطين الكيد والنفاق والمنافقين في الحياة السياسية اللبنانية، قدّم فيها مطالعة في استغباء الناس، والانتهازية الرخيصة لتبرير مواقفه الرافضة اقتراح قوى 14 آذار، لو رأها ميكافيللي لخرّ على قدميه احتراماً أمام قائلها وصاحبها.
مبعث كل تلك الآمال المحطمة، والخلاصات الآنفة الذكر، كان الوصول الى قناعة تامة، فعلية (بعد أن كانت ناقصة سابقاً) بالفرضية التي يرددها الدكتور فارس سعيد دائماً، والقائلة بأن حزب الكيد أو النكاية هو أحد أكبر الأحزاب اللبنانية وأهمها. عابر للطوائف والطبقات. خارقٌ، حارق لا يُردّ ولا يُصدّ، ولا يقف في وجهه أي منطق حتى لو استعير من سير السلف الصالح، وحكايات العقل على مرّ الزمان، منذ بدء هذا الزمان، وبدء التاريخ والنقل والترجمة والخط والبيان. بل منذ بدء الخليقة في التعبير عن نفسها كتابة وقولاً!
لأن أهل 14 آذار قدموا ذلك النص الوطني الجامع، القافز فوق اللحظة السياسية الراهنة وحساسياتها واشتباكاتها وحساباتها… أسقطه أهل 8 آذار. وفي ذلك يصبح الكيد موازياً للجريمة، وتصبح هذه فوق الوصف التدقيقي الواضح، لأنها جريمة "مُثلى" تتعلق بدستور البلاد، أي بالكتاب الذي يجمع حواشي الأمة اللبنانية ومتونها، وينظم أمورها وشؤونها وشجونها، وأدوارها، وحياتها، وأحجامها، وتطلعاتها، وحلالها وحرامها، ومؤسساتها، ودفاترها، وخطوط حكمها وأحكامها.
والكيد في بعض نواحيه عنوان أداء غبي صاف من دون إضافات، عدا عن كونه رد فعل غرائزي قد يضربه الحظ مرات ويضعه في خانة التذاكي… وإلا كيف تركب المعادلة عند أهل 8 آذار وجنرال الكيد والردح تحديداً، وهم الذين خاضوا في كل شيء، واستباحوا كل شيء للوصول الى الثلث المعطّل في السلطة التنفيذية… وعندما جاء أهل 14 آذار وأعطوهم "كل شيء" في مسألة تعديل الدستور الخاصة بالتوطين رفضوا؟! لم تعطهم 14 آذار هنا الثلث المعطّل فحسب بل أكثر من ذلك بكثير. أعطتهم حق التعطيل ولو بصوت واحد. لكن صوت الكيد عندهم كان أعلى.
وحسناً كثيراً جداً، فعل أهل 14 آذار، لأنهم في خطوة واحدة كشفوا حجم النفاق الذي يواجههم به أخصامهم، وحجم الافتراء الذي تعرضوا ويتعرضون له منذ 4 سنوات وأكثر، وهم الذين أهينوا مراراً وتكراراً بتهمة رفض التوطين علناً، والعمل من أجله سراً، فأتوا بنص يرفع الأمر من أيديهم وأيدي غيرهم ويجعله مستحيلاً، حتى لو جاء الزمان، في يوم من أيامه، بلبن العصفور والخل الوفي والغول والعنقاء.. وبعض الذكاء لجنرال الردح الذي ركب أهل 8 آذار خلفه في موضوع التوطين إياه، كي لا يأخذ أخصامه حُجّة عليه، كبيرة وعظيمة الشأن الى هذا الحد، ووطنية جامعة الى هذا الحد.
ليس الامتحان الأول من نوعه ولن يكون الأخير، لكنه محطة على الطريق، لإضاءة أكثر وضوحاً، على "نوعية" السياسة والممارسة التي تُخاض في ظلهما الانتخابات الآتية في 7 حزيران، والتي خيضت في ظلهما كل معارك الممانعين منذ اللحظة التي هوى فيها رفيق الحريري على الأرض وتماهى مع تراب بلدنا…
وأي كيد هذا؟