#adsense

هل تتحايد سوريا في الانتخابات النيابية؟

حجم الخط

هل تتحايد سوريا في الانتخابات النيابية؟

تعيين سوريا سفيراً لها هو تتويج لتضحيات مشهودة لهذا الإنجاز الحديث بين البلدين منذ استقلال لبنان 1943. ويأتي هذا المكسب الديبلوماسي كنقطة بداية لمسيرة طويلة تنتظرها المطالب اللبنانية نحو استعادة السيادة الكاملة واحترام الدولة الحرة المستقلة، إذ على رأسها احترام الاستحقاق النيابي الانتخابي الذي تعتبره قوى 14 آذار موعداً مفصلياً حيال التحديات العسيرة التي يجابهها لبنان محلياً وإقليمياً. ولأجل ذلك ستمضي هذه القوى لتحقيق أهم الأهداف لها بواسطة صناديق الاقتراع كتفويض شعبي جماهيري للمزيد من "المحاصيل" الاقتصادية و"الفوائض" التنموية الاجتماعية، أو على الأقل الحفاظ على "الأسهم" الرابحة التي نالتها في الفترة النيابية الأخيرة، المتمثلة في عدد المقاعد البرلمانية والمصادقة على إنشاء المحكمة العدلية الدولية، والاعتراف السوري أخيراً بالعلم اللبناني لأول مرة برفعه على أراضي القصر الأسدي، كمنعطف متحول في تاريخ البلدين والشعبين، لاغية بذلك مقولة "شعبين في بلد واحد" وناهية لشعار "وحدة المسار والمصير".

الملفت في هذا الصدد أن إعلان الصفة الرسمية للسفير السوري لم يأت في الواقع هبة أو هدية لوطن الأرز، وإنما تكليلاً لتلك المعاناة المرّة بعد استئثار غير قصير واستنزاف غير قليل تجاه مختلف الشرائح الاجتماعية وشتى القطاعات الحيوية البنيوية. ولا ريب أن كل من يعتقد بهذا المعطى الإنجازي تصحيحاً للعلاقات بين البلدين فهو لا يدرك مدى حجم الترهيب والتهويل اللذين نخرا البيئة العمرانية والقدرات البشرية منذ اتفاق الطائف جراء عواقب تأجيل تنفيذ بنوده. وفي هذا السياق ذاته تزامن مراسم استقبال الممثل البعثي القومي في ظروف مشدودة عشية خوض الانتخابات النيابية من جانب، والتصريحات الصادرة من القيادة السورية العليا من جانب آخر بحيث لا خلاف بأن الدورة الاقتراعية الانتخابية ستُعين بالدرجة الأولى مستقبل اللبنانيين المرهون دوماً بالفصل النهائي في إقرار خياراتهم السيادية الاستقلالية وعدم الالتزام بالخضوع للمحاور من ناحية، ورفض تحميله تبعات كل ما يعمق خلافاته وانقساماته حتى يرضى الآخرون على أنقاض تصدعات سلمه واهتزازات استقراره من ناحية أخرى. بالتالي أن تصريحات الرئيس بشار الأسد لصحيفة "الخليج" الإماراتية بغوصه في الشأن اللبناني لا يؤشر على أن القيادة الحاكمة السورية رفعت يدها نهائياً في التجاذبات اللبنانية، ولا يدل على أن نواياها الحقيقية ماضية في إرساء حجر الزاوية كركيزة أولية لزرع الثقة مع سائر القيادات والفعاليات اللبنانية. بمغزى أوسع إن الثقة لا تحتاج الى ترميم أو ترقيع في بعض المسائل دون الأخرى، إنما ينبغي معالجة الموضوعات العالقة بتفاصيلها وجزئياتها، بعيداً باللجوء كل مرة الى وساطات أو مرجعيات خارجية، وبعيداً عن اغتنام الفرص السانحة والجوائز المغرية كي يمكن التخلي عن الممارسات التسلطية المتحيزة، وكذلك عن طريق تشجيع عناصر مسلحة لخربطة الأحوال الأمنية كلما رأت دمشق أن الأمور لا تصب في صالح مآربها ولا تخدم رصيد حلفائها في الداخل اللبناني.

الراصد للدور السوري في قضايا المنطقة الذي فرض نفسه بعد التهور الأميركي لاجتياح العراق وما نجم عنه بتقديم بلاد الرافدين طبقاص من فضة للقيادة القيصرية الإيرانية، هذه الأخيرة التي استغلت التخبط الأميركي على حساب السيادة العربية كي تهدي سوريا إعانات عسكرية واقتصادية طائلة كثمن مدفوع لتعزيز التحاضن في الكنف الفارسي. ولذا فإيران القوة الأولى الممولة والصناعة العسكرية الناشئة الممدة للمصانع السورية، وكذلك بالنسبة للاعتبارات التأسيسية في العلاقات بين النظامين التي أرساها حافظ الأسد، بالإضافة الى القرابة المذهبية "المتشابكة"، وكذلك انتزاع غصباً هضبة الجولان يستحيل على الطاقم السوري من دون قطع أواصر التحالف مع إيران من أجل العودة الى الصف العربي بالصفة المطلوبة، وكذلك من سابع المستحيلات التغاضي عن الشأن اللبناني ما لم تباشر المفاوضات الأميركية ـ السورية لقاءاتها في ظل العهدة الأوبامية الجديدة، لأن نظام دمشق لا يضمن بقاءه إلا بالقوات العسكرية التي أعيد انتشارها سابقاً، أو بالاعتماد على الانتخابات النيابية عبر الحلفاء لاحقاً. فسلطة الوصاية صاحبة إعطاء الصورة الكاملة في تعيين الشخصيات المرشحة والتدخل المباشر كلما نشبت الخلافات في فريق المعارضة، مع الأخذ في الاعتبار ممثلي اللوائح وفق التوازنات الصائنة لبلوغ غاياتهم. هذا مفاده أن الترشيحات التي كانت تصنع في عنجر وتدار من دمشق بالأمس هل يشق على السوريين البقاء اليوم في موضع متفرج؟ وهل يتوقع أن يتقبلوا النتيجة "المذلة" في حال خسر حلفاؤهم من دون أن يتحركوا مسبقاً بأقصى الحدود الممكنة لتدارك الاختلالات الحاصلة ما دامت التوقعات الاستطلاعية لا تبشر بنتائج مرضية لصالح القطب المعارض؟ وفي ذات الاتجاه، ما هو سر اعتقال أربعين ضابطاً على وقع عجزهم في إحداث تقدم ضامن في الفوز بالانتخابات التشريعية كورقة ضاغطة لإسقاط أي قرار صادر عن المحكمة الدولية وللإعراض عن توقيف المشبوهين وتجنب التجاوب مع الادعاءات حيال العناصر المتهمة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل