قمَّة الحدّ الأدنى
قد يكتشف العرب غداً أو بعد غد ان الحسنة الوحيدة التي تبرّر انعقاد قمَّة الدوحة، وفي غياب كبرى الدول العربيَّة، تكمن في الرغبة الجماعية في المحافظة على الحد الأدنى من التضامن العربي، وخصوصاً بعد وصول نتنياهو الى رئاسة الحكومة وعن يمينه أقصى اليمين وأقسى اليسار، وعن يساره أعتى المتشدٍّدين والمتطرّفين والحربجيّين.
والمحافظة أيضاً، وبالنسبة ذاتها والمعنى ذاته، على الحد الأدنى مما يجمع العرب حول طاولة في هذه العاصمة العربيَّة أو تلك، حتى تظهر الملامح الاولى لسياسة الرئيس باراك اوباما في الشرق الاوسط والشرق الأقصى.
والمحافظة كذلك على مظلة الجامعة العربية كقاسم وجامع مشترك، وإن اخترقتها الخلافات والازمات العميقة الجذور في معظم الأحيان.
وقد يكون الإنجاز الآخر الذي يلي "اعجوبة" الانعقاد متمثلاً بحضور الرئيس السوداني عمر البشير، والترحيب به والتصفيق له، على عين محكمة الجنايات الدوليَّة ومذكَّرتها، بلوغاً مجلس الأمن ودوَّامة دارفور.
ثم النجاح في محاولة اعادة الزعيم الليبي العقيد معمرَّ القذافي الى القاعة الكبرى بعد مغادرته اياها غاضباً زعلاناً، وقبيل بلوغه سلَّم الطائرة، مما أعاد الهدوء الى المؤتمر والقمة والطمأنينة الى النفوس.
وهذا غيض من فيض.
إلاّ انه من تحصيل الحاصل القول إن من المفيد والمجدي للعرب ولـ"القضية" التي كانت قضيتهم الاولى أن يلتقي الملوك والرؤساء والأمراء تحت سقف واحد، وحول طاولة واحدة، وبعد غياب وعتاب وسوء تفاهم، فيتبادلون الأحاديث والآراء والمصافحات، عوض أن يتبادلوا التراشق بالاتهامات وبما هو أشدُّ وطأة وأذى من الحجارة.
كما انه من المفيد والمجدي أن يظل بين القادة العرب مَنْ يتابع "حال الامة" ويصدر نشرات طبيَّة حول صحتها، ومَنْ يسعى الى إحاطة الخلافات العربية الكثيرة، القديم منها والجديد والذي سيستجدُّ، بقدر من العناية يشبه الادارة الرديفة.
ذلك ان المشكلة العربيَّة، أو المشكلات العربيَّة، لا تنحصر أبعادها وجذورها ضمن نطاق خلاف واحد محدَّد واضح، أو حول أزمة طارئة تتعدّد وجهات النظر فيها، بل أنها تكاد تكون في كل شاردة وواردة.
في الخلاف العربي – العربي الذي لم يغب يوماً عن هذه المنطقة الدائمة التفجّر والصدامات وفي الخلاف الفلسطيني – الفلسطيني الذي تغذّيه وتشجعٍّه أكثر من دولة في المنطقة. وفي الخلاف اللبناني – السوري الذي لا يحتاج الى شرح يطول. وفي الخلاف العربي – الايراني الذي يتحدَّث عن أسبابه وبواعثه، وعن نفسه بنفسه. ويوميّاً. وفي الخلاف المصري – القطري الذي تدخل ايران شريكاً "فعالاً" في صميمه وتفاصيله.
ومن البديهي الا تدّعي قمة الدوحة أنها ستضع هذا الجبل من الخلافات أمامها وتحاول معالجته في ساعات، أو في يوم وليلة.
واذا ما قالت وأكدت انها ستعمل بمعاونة الجامعة العربية وأمينها عمرو موسى على استكمال المصالحة العربيَّة، ولو لهذه المرحلة الرمادية، وريثما تظهر ملامح الخطوات الأميركية والاسرائيلية والايرانية في حقول الالغام المنتشرة في المنطقة.
فالقمم العربيَّة عوَّدت العرب واصدقاءهم في العالم مقاربة المشكلات الكبرى، فالاختلاف على معالجتها، فتأجيلها الى قمة أخرى.
كما عوَّدتهم بياناً ختامياً لا يسمن ولا يغني من جوع، بعد ان يكون قد فسَّر الماء بعد الجهد بالماء.