#adsense

العرب بين محكمة ومحكمة

حجم الخط

العرب بين محكمة ومحكمة

القمة العربية المنعقدة في الدوحة مخيّبة. فعنوان المصالحات، أو "تنظيم إدارة الخلافات" يمثل الحد الأعلى الذي يمكن القيادات العربية أن تبلغه في العمل العربي المشترك. ليس هناك كلام جدي وعملي على عمل عربي مشترك ما دام الخلاف كبيراً جداً، أقله على مستوى مقاربة التحدّي، بل التهديد الايراني للمنطقة. فدعوة الرئيس السوري بشار الاسد الى "دعم المقاومة" مع دوام "نعيم" جبهة الجولان، معناه دعم الخيار الايراني في العالم العربي عبر أداته الاساسية في لبنان "حزب الله"، وأيضاً عبر حركة "حماس" في غزة، وهي تزداد انزلاقاً نحو المشروع الايراني. وللدلالة على ذلك وجبت مراجعة حرب تموز 2006 وحرب غزة الأخيرة لمعاينة الأسلوب الموحّد في التورّط في حروب مدمرة للبشر والحجر، يخرج بعده الطرفان المتورّطان لإعلان الانتصار، ومتابعة الحرب للسيطرة على السلطة!

في مطلق الاحوال، وعلى الرغم من المصالحة السعودية – الليبية التي نشك في أن تدوم طويلا، نظراً الى سوابق العقيد القذافي في إطلاق المفاجآت الواحدة تلو الأخرى، فإن ما يهمنا من كل ما حدث هو النظر قليلاً في المسألة السودانية وفي الموقف العربي من قرار المحكمة الجزائية الدولية القبض على الرئيس عمر حسن البشير. هنا الموقف مقلق لأنه يُساهم في تقوية موقف البشير بالنسبة إلى ما يحصل في دارفور. وما يحصل في دارفور، ومهما قيل في مبالغات الصحافة أو المنظمات الانسانية، هو عار على جبين العرب تماماً مثلما هو عار على جبين الحكم في السودان. فقتل مدنيين بالآلاف لا يجوز أن يمر مرور الكرام على قاعدة أن الزعماء العرب، يخشون إرساء سابقة في المنطقة. ونحن لا نتحدث عن جميع الزعماء العرب، فبينهم من تجاوز في حكمه الأساليب المستخدمة في دارفور، ومنهم من بدأ تخفيف القبضة الحديد في الحكم ولو بخفر، ولكن ثمة من يدعون الى التضامن التام مع قضية الرئيس عمر البشير، كالرئيس بشار الأسد الذي ربما رمى من خلال دعوته هذه إلى ترسيخ مبدأ تضامن الأنظمة العربية مع نظام يواجه اتهامات من محاكم دولية وعينه على المحكمة الخاصة بلبنان التي يعرف أكثر من غيره، أنها إن توصلت الى كشف كل خيوط الاغتيالات في لبنان فإنه سيكون حتماً التالي على لائحة الرؤساء العرب المطلوبين للعدالة الدولية!

مفهوم خوف أنظمة عربية معظمها بوليسي الطبيعة والنزعة، ومفهوم تخوّفها من أن تستخدم المحاكم الدولية يوماً ما في إطار سياسي. ومفهوم أيضاً وأيضاً أن يطرح العرب قضية المعايير المزدوجة في المجتمع الدولي، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بإسرائيل وجرائمها وآخرها جرائم الحرب على غزة. لكن ما يعصى على الفهم الانساني هو قبول استمرار الإبادات في دارفور، وكأن تجربة ما كان يحصل في العراق أيام الرئيس السابق صدام حسين لم تكف أمتنا شراً.

وإذا كان القادة العرب عندما يدافعون عن البشير إنما يتحسّبون للمستقبل، فإنه كان الأجدى بهم أن يلحقوا تضامنهم مع البشير بمبادرة عربية جدية لوقف الإبادات الجماعية في دارفور، بفرض حل سياسي، والعمل بقوة لمقايضة تضامنهم مع الرئيس البشير بتسوية يجبر على القبول بها لتجنيب السودان المزيد من المآسي، ولعل أخطرها على الاطلاق النزعات الانفصالية التي تتهدّد وحدة البلاد. وتلك النزعات هي أقل خطراً على وحدة السودان من شنّ الحكومة المركزية حرب إبادة على فئة من الشعب. أما الاستمرار في ترك البشير حراً ومتفلتاً يتابع سياساته الطائشة، فسيدخل السودان في أتون حروب لن تنتهي إلا بتدخّل دولي واسع النطاق.

وللدلالة على أن السودان في طريقه الى أن يصير أرضاً سائبة تقترب من مثال الصومال، أنه أصبح محطة لتهريب السلاح الإيراني إلى النقاط العربية الساخنة، ففتح الباب أمام قيام سلاح الطيران الاسرائيلي بالإغارة على قوافل السلاح في عمق الأراضي السودانية، وفق ما جاء في عدد من كبرى الصحف العالمية!

المصدر:
النهار

خبر عاجل