المقارنة "ظالمة" بين الـ 2005 وواقع "عروس البقاع" اليوم
عصب "14 آذار" مشدود.. و "قرار زحلة" بيد أبنائها
"قرار زحلة بيد أبنائها". كلمات رددها رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع، خلال زيارته للمدينة، تلخص فحوى رسالة "14 آذار" مجتمعة للزحليين. لا يختلف اثنان على أن زحلة كانت على مر التاريخ في قلب لبنان، وحاضرة في كل المحطات المصيرية التي واجهها الوطن، وأنّ أبناءها هم الأشد حرصاً على استقلال وطنهم، وكانوا على الدوام رواداً في "النضال" من أجل الاستقلال والحرية.
زحلة التي لم ترضخ يوماً لا لاحتلال ولا لتبعية، "توهم" بعض ناسها في العام 2005 كما في العديد من المناطق اللبنانية، أن من يحمل لواء "التغيير والإصلاح" هو الذي سيتابع النضال من اجل لبنان الذي ليس فيه سوى سلطة الدولة والقانون، لبنان لا وصاية فيه ولا عليه، فاقترعوا على هذا الأساس، ولكن هذا الخيار لم يكن "أبداً في مكانه" كما يردد الزحلاويون هذه الأيام.
في الأيام الأخيرة، قاصد زحلة يرى في عيون أهلها شيئاً من الراحة التي افتقدوها في السنوات الأخيرة، لأنهم اليوم يعيشون على وقع نجاح الوعود التي قطعتها قوى 14 آذار، في انتظار الـ7 من حزيران لإعادة تقويم المسار، والموعد مع خيارين لا ثالث لهما، فإما مشروع الدولة الحاضنة لجميع اللبنانيين ومعها تكون زحلة مدينة التنوع الفكري والحضاري، وإما مشروع إعادة لبنان إلى عهد الوصاية والرجعية، ومعها تنزع المدينة عنها صفة "عروس البقاع" وتصبح كالأرملة التي فقدت شريكها.
بعد "وهم" الـ2005، تحركت الأحزاب المسيحية المنضوية في تحالف "14 آذار" والتي فوجئت بالمزاج الزحلاوي، محاولة استعادة الدور الذي افتقدته أيام الوصاية قسرياً، وأول المنطلقين إلى المدينة سقط شهيداً على مذبح الانتفاضة، وأحد أهم الأسباب التي دفعت المجرم للنيل من الوزير الشاب بيار الجميل، أنه استطاع في وقت "ضئيل" أن يعيد شيئاً مما فقده حزب "الكتائب" طيلة سنوات، وخاصة في زحلة.
بعد الشهيد بيار انتفضت زحلة تدريجياً، وعادت المدينة لتنبض بأحزابها، فتقدمت "القوات اللبنانية" أشواطاً بعد خروج "حكيمها" من السجن، لتجدد نشاطها في البقاع، فاستقبلتها زحلة وفتحت لها أبوابها ومعها ومع أبنائها أعادت "القوات" رسم خريطة انتشارها في المدينة، كذلك فعل "الكتائب" و"الأحرار"، والمراكز التي أقفلتها سلطات الوصاية، استعادت دورة حياتها الحزبية، وبشكل أقوى وأفعل مما كان سائداً في السابق.
نهاية الأسبوع المنصرم، عاشت زحلة على وقع زيارة "حكيم" القوات، الذي وكما تقول أوساط مقربة منه، كان يعتزم القيام بهذه الزيارة منذ فترة طويلة ولكن الظروف منعته من ذلك، بداية مع الوجود السوري، من ثم السجن، والوضع الأمني الدقيق منذ العام 2005 وحتى اليوم، ولكنه أخيراً قرر أن يتحدى هذه المخاطر ويشارك في قداس شهداء زحلة، الذين سقطوا لتكون الدولة، ويكون الوطن حراً سيداً مستقلاً.
أما المعلومات المتضاربة حول زيارة رئيس حزب "الكتائب اللبنانية" الرئيس أمين الجميل، فهي تشعبت وكثرت، والبعض استغلها للتضليل الاعلامي، لأنه يدرك جيداً أن واقع العام 2005 اختلف كلياً اليوم، فبدأت الأقاويل والشائعات حول زيارة سرية للجميل سبقت زيارة جعجع، ثم ما لبثت أن تصاعدت لترافق نجاح ذكرى شهداء زحلة محاولة تخفيف وطأتها على الواقع المزري الذي يعيشونه، لتخرج بمخيلتها الخصبة على اللبنانيين مدعية "خلافاً بين القوات والكتائب" سببه "علنية" زيارة "الحكيم".
واقع الأمر مغاير تماماً لهذه الصورة، فرئيس "الكتائب" لم تطأ قدماه المدينة، وإن فعل فإنه يعتز بزيارتها علناً لأنه يكون في بيته الثاني، كما يقول وزير السياحة إيلي ماروني، الذي يشير إلى أن "إقليم زحلة الكتائبي هو الذي التقى الرئيس الجميل، والاستنتاجات في هذا الإطار أتت بعد بيان صادر عن الإقليم" وهذا كل ما في الأمر، لا أكثر ولا أقل.
من رافق "الحكيم" في زيارته، كرر أمام الجميع. مقولة واحدة، مفادها أن "من يراهن على خلاف بين القوات والكتائب هو مخطئ وواهم"، اما زحلة المدينة التي عانت الأمرّين فهي وعلى مر التاريخ فتحت أبوابها للجميع، أو بالأحرى للبنانيين جميعهم، وغير اللبنانيين الذين أرادوا إخضاعها، واجهتهم وقدمت 622 شهيداً دفاعاً عن حرية المدينة، وحرية الوطن معها. شهداء يُحتفل بذكراهم في الثالث من نيسان من كل عام.
زحلة لم تخطئ في الـ2005، هذا ما قاله الحكيم، مستنداً إلى واقع فرض نفسه على الانتخابات الماضية، فزحلة اقترعت لمن نادى بالحرية والسيادة والاستقلال، وإن كان قد مارس بحقهم فعل الخداع، فإن "الحيلة" ساهمت في ترجمتها بعض الحسابات الخاطئة وعدم مراعاة الخصوصية المسيحية للمدينة، إضافة إلى "النقزة" التي ولدها "التحالف الرباعي" في ذلك الوقت.
الجديد هذه الأيام أيضاً وبعيداً عن الاحتفال بذكرى الشهداء مع رئيس الهيئة التنفيذية لـ"القوات"، التحول الشعبي الذي تعبر عنه أوساط المدينة التي تعتبر أن "وعي أهالي زحلة جعلهم يقتنعون بالمصداقية التي تحلّى بها الحكيم منذ خروجه من السجن وبالتالي مصداقية كل فرقاء 14 آذار، على عكس ما قام به البعض من مناورات أصبحت اليوم مكشوفة أمام الرأي العام"، وتذهب هذه الأوساط إلى حد التأكيد على أن "بعض من هم في المقلب الآخر بدأوا يقتنعون شيئاً فشيئاً بالخيارات السيادية التي تمثلها قوى الاستقلال الثاني".
في هذا الإطار، يرى ماروني أن زيارة جعجع إلى المدينة أعطت انتعاشاً كبيراً للقواعد الشعبية وشدت عصب قوى 14 آذار، فالمعطيات اليوم مغايرة تماماً عما مضى حين كانت "الكتائب" مصادرة، وكنا في خضم معركة إصلاح الحزب، وهذا ما سهل أمام البعض استغلال هذه المعطيات لكسب المعارك التي خاضها ضدنا. أما اليوم فقد عاد الرفاق إلى ممارسة دورهم، وكذلك حلفاؤنا في "القوات اللبنانية" بعد خروج الدكتور جعجع من السجن، ليعود الحضور الحزبي إلى المدينة.
بحسب مرشح "الكتائب" في زحلة، فإن النائب ميشال عون قد خاض في المدينة معركة مضللة للرأي العام، فهو عاد ليحاسب سوريا فإذ به يطالب اليوم بالاعتذار منها، عاد لينزع سلاح "حزب الله" فما لبث أن أصبح المدافع الأشرس عن "قدسية" هذا السلاح، خرج على اللبنانيين مؤكداً انه سيكون رأس الحربة في قضية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، فإذ به ينفي وجودهم أصلاً في أقبية البعث.
وإذ يلمس ماروني كما كل فرقاء الرابع عشر من آذار في المدينة كما يقول تغيراً ملحوظاً وكبيراً في الرأي العام الزحلاوي، يؤكد أن الوحدة فيما بيننا هي وحدها التي تقودنا إلى الانتصار. زحلة عادت إلى قاعدتها والساحة تتسع للجميع.
وزير السياحة سيطلب عند تشكيل لائحة 14 آذار في المدينة أن يطلق عليها اسم لائحة "الوفاء للشهداء" إجلالاً لمن سقط شهيداً في الدفاع عن المدينة وأهلها.. ويختم قائلا: "لا يجوز المقارنة بين واقع زحلة اليوم بما مضى".
قبل قداس الشهداء، عُلقت يافطات الترحيب بـ"الحكيم" بعد موافقة البلدية. في المقابل رد بعض المتوجسين من الزيارة بوضع يافطة كبيرة على مدخل المدينة كتب عليها "زحلة إلك يا بيك" (والمقصود النائب الياس سكاف). في الليلة التي غادر فيها "الحكيم" المدينة، سارعت البلدية إلى نزع الصور واللافتات وتركت شعار "البكوات"!.