بعدما فقد المسيحيون قوّة العدد وزعاماتهم المميزة ووحدة صفهم
لا علاج لتحقيق التوازن السياسي الداخلي إلا باللامركزية
ترى مراجع سياسية ودينية مسيحية انه بعدما فقد المسيحيون، وتحديداً الموارنة، قوة العدد وزعاماتهم المميزة، فلا شيء يعالج اختلال التوازن السياسي الداخلي سوى قيام الدولة القوية العادلة التي تحمي الجميع وتدافع عن مصالح الجميع، وان تكون دولة مدنية تعتمد اللامركزية الواسعة. فقانون الانتخاب باعتماده نظام الأكثرية بأي شكل من أشكال التقسيمات لا يؤمّن التمثيل السياسي الصحيح، بل بات النظام النسبي هو الذي يؤمن ذلك، واعتماد نظام الأكثرية، مهما كان شكل التقسيمات الانتخابية، يجعل عدداً كبيراً من النواب المسيحيين يفوز بأصوات الشيعة أو السنة، حتى في الدوائر ذات الثقل المسيحي مثل دوائر جبيل وبعبدا وجزين، فيما كان الصوت المسيحي هو الذي يؤمن فوز المرشح الشيعي في هذه الدوائر، وكان لهذا الصوت وزنه وثقله.
وتضيف المراجع نفسها انه بات من الصعب تحقيق التوازن السياسي الداخلي، لأن المسيحيين، وتحديداً الموارنة، فقدوا ثلاثة عوامل اساسية هي: قوة العدد، والقادة المميزون، ثم انقسامهم وتفرقهم: فلا نوعية الزعامات باتت متوافرة بحيث تتساوى مع النوعية المتوافرة لدى المسلمين كي تبقى لها قيادة جبهة الموالاة وقيادة جبهة المعارضة، بل باتت القيادات المسيحية تابعة لقيادة سنية او شيعية في الموالاة وفي المعارضة. وبالنسبة الى العدد، فإن المسيحيين تقلص عددهم الى حدود يقدرها البعض بـ35 في المئة بسبب الهجرة الواسعة، القديمة منها والحديثة، لأسباب شتى، ولم يعد هذا العدد يشكل الثقل السياسي الذي كان يشكله في الماضي، خصوصاً في انتخابات رئاسة الجمهورية ورئاسة المجلس وتسمية رئيس الحكومة، وخصوصاً في الانتخابات النيابية، ويذكر الجميع كيف ان الزعيم الكاثوليكي جوزف سكاف كان يخوض الانتخابات في محافظة البقاع بلائحة ينافس بها لائحة الزعيم الشيعي صبري حمادة، وكيف ان زعامة آل فرنجية في محافظة الشمال كانت تخوض الانتخابات بلائحة تنافس بها زعامة آل كرامي، وكيف ان الزعيم كميل شمعون كان ينافس في الشوف لائحة الزعيم كمال جنبلاط، وكيف ان اللائحة الانتخابية في بيروت لم يكن في الامكان التوصل الى تأليفها الا بالاتفاق بين الرئيس صائب سلام والشيخ بيار الجميل، وهو ما جعل المسيحيين، وتحديداً الموارنة، يتزعمون جبهة الموالاة دعماً لرئيس الجمهورية وجبهة المعارضة المناهضة له. ولكن، وبعدما فقد المسيحيون قوة العدد وقوة الزعامات المميزة وزادهم ضعفاً التفرق والتشتت، فان صوت الشيعي الموحد وصوت السني الموحد باتا يؤمنان فوز النائب المسيحي حتى في دوائر الثقل المسيحي…
واذا كان التوازن العددي بين المسلمين والمسيحيين موجوداً في لوائح الشطب او موجوداً نظرياً بالمناصفة بينهما كما نص اتفاق الطائف، لكنه غير موجود في الواقع في صناديق الاقتراع، ما يجعل الصوت المسلم هو الصوت الوازن في معظم الدوائر. حتى ان تمكين المغتربين الذين يحملون الجنسية اللبنانية في الاقتراع، حيث هم مع اعطاء حق الاقتراع لمن بلغوا سن الـ18 سنة، لا يعوض النقص في العدد بين المسلمين والمسيحيين بحسب الاحصاءات، لأن الكثير من المغتربين فقدوا جنسيتهم اللبنانية وباتوا يحملون جنسية الدولة التي يقيمون فيها.
ورغم ان النوعية في الزعامات المسيحية لم تعد موجودة كالسابق، ولا الكمية في العدد، فان الوحدة بين الزعماء المسيحيين ولاسيما الموارنة غير موجودة ايضاً، وهو الأسوأ بحيث ان الانقسام لم يعد يقتصر على العائلة الواحدة بل بات داخل البيت الواحد وبات من الصعب ان يتحقق التوازن السياسي الداخلي بين المسيحيين والمسلمين بعدما فقد المسيحيون النوعية والكمية والوحدة. ومن السخافة القول ربما تبريراً لانقسامهم ان التعدد داخل الصف المسيحي هو غنى للديموقراطية… انما هو في الحقيقة ضعف وتهميش للمسيحيين عندما يكونون متفرقين ومشرذمين وغيرهم موحد الصف والكلمة فيستطيعون بوضعهم هذا ان يفرضوا رأيهم وقرارهم على الآخرين المتفرقين، واذا ما واجهت كل طائفة الطائفة الاخرى بوحدة صف وموقف" فلا يعود في الامكان حكم لبنان الا بفدرالية الطوائف او بقيام الدولة المدنية.
لذلك بات على اللبنانيين في حال ظلت التركيبة الطائفية على ما هي ولا يمكن ادارة شؤون الحكم بالا بالمحاصصة فتتحكم الطائفة الكبرى بالطائفة الصغرى ان يعتمدوا اللامركزية الواسعة بحيث تصبح قريبة من الفدرالية، او الغاء الطائفية السياسية واعتماد العلمنة الكاملة وهذا يتطلب العودة الى مشروع الزواج المدني الاختياري الذي لم يكتمل اقراره في عهد الرئيس الهراوي، او وضع مشروع قانون يعيد الجنسية الى المغتربين في اطار شروط معينة لتشجيعهم على الاستثمار في لبنان. وكوسيلة لربطهم بالوطن الأم بعد ربطهم بحق مشاركتهم في الانتخابات اقتراعاً وترشيحاً. فالمناصفة بين المسلمين والمسيحيين التي نص عليها اتفاق الطائف قد لا يدوم العمل بها، وقد بدأت اصوات ترتفع مطالبة بالمثالثة او بإفساح المجال امام كل الطوائف كي تترشح لرئاسة الجمهورية ورئاسة المجلس ورئاسة الحكومة، او يجعل رئاسة الجمهورية مداورة بين الطوائف الثلاث الكبرى، او ان يحكم لبنان من خلال مجلس رئاسي…
ولا يستبعد المراقبون ان يصبح نظام الحكم في لبنان رئاسياً اذا ما تم التوصل الى الغاء الطائفية السياسية تمهيداً لإقامة الدولة العلمانية او المدنية. وبقيام هذه الدولة يصير في الامكان انتخاب رئيس الجمهورية من الشعب لمدة اربع سنوات مثلاً قابلة للتجديد مرة واحدة، لان كفة الميزان بين الطوائف لا يمكن ان تتساوى وتحقق التوازن السياسي الداخلي في ظل النظام الطائفي، وان المسيحيين المتمسكين بالسيادة والاستقلال وبكيان لبنان لا يعودون يخافون عليه من وصول رئيس مسلم الى سدة الرئاسة سواء بانتخاب شعبي مباشر او بالمداورة، اذا صار اتفاق على اعتماد سياسية الحياة الانتخابي في لبنان بغية ابعاده عن صراعات المحاور وابقاء ساحته مفتوحة لها، ويكون اللبنانيون وقوداً فيها.