تسخيف الانتخابات المقبلة لتسهيل ابتلاعها
"ما تتعبش عقلك بشغل السياسة
وشوف أنت شغلك بهمة وحماسة
وعوّد عيالك فضيلة الرضا
لأن إحنا طبعاً عبيد القضا
ورزقك ورزقي ورزق الكلاب
دا موضوع مؤجل ليوم الحساب"
أحمد فؤاد نجم
الانتخابات والديموقراطية
ترتبط العملية الديموقراطية بما يأتي من المستلزمات:
1 ـ وجود شعب أو جماعة تتخذ القرارات العامة عن طريق شكل من أشكال الإجراءات الجمعية. ويعتبر الشعب المشارك في القرارات ذلك القسم البالغ من الأمة من الناحية القانونية، وأصحاب المواطنية الكاملة مع تأمين التكافؤ في الحقوق.
2 ـ ترتبط هذه الممارسات بإقليم محدد تمارس فيه القرارات ويقيم فيه الشعب المعني، وهذا ما يسمى عادة "الوطن".
3 ـ وجود آلية إجرائية القرارات الجمعية وتأمين المشاركة العامة بها من خلال الاستفتاء العام على مواضيع محددة، أو من خلال التوكيل الديموقراطي المتمثل بالإنتخابات البرلمانية والرئاسية.
4 ـ إعتراف الشعب بشرعية العملية الإجرائية لاتخاذ القرارات، وهذا يعني استتباعاً قبوله تطبيقها. وهذا يقتضي التسليم بمنطق الدولة وشرعية حكومتها ومحاكمها التي لا تتوافق دائماً مع مصالح الفرد وخياراته، وأحياناً بعض المجموعات وخياراتها.
5 ـ أن تؤمن وسائل فعالة لدى الشعب لتمكينه من تغيير الحكومة أو ممثليه في حال توفر التأييد المناسب لهذا التغيير. هذا يعني أن إجراء الإنتخابات الشكلية والاستفتاءات الاستعراضية التي تؤدي دائماً الى إعادة إنتاج النظام هي بعيدة كل البعد عن منطق الديموقراطية.
6 ـ تستوجب شرعية الإنتخابات أن تكون في دولة ذات سيادة، وهذا يعني وطنية قرارها وسلطة غير خاضعة لقرار خارجي إلا من ناحية المعايير الدولية، وسلطة غير منتقصة في مجال احتكار امتلاك السلاح واستعماله على إقليمها.
أحبولة 8 آذار
في الوقت الذي تعد قوى الثامن من آذار كل ما تملك من وسائل للإنتخابات النيابية القادمة في السابع من حزيران، وتستنفر كل دعائمها الإقليمية من مال نظيف وطاهر، الى تركيبات مخابراتية غير نظيفة، وأحابيل إرهابية غير طاهرة، تنبري رموز هذه القوى الى خطاب تسخيفي لواقع الإنتخابات، موجه بشكل أساسي الى عصب الرابع عشر من آذار، وبالأخص الى جمهورها الغير الحزبي والذي يعتبر شعارات وبرامج "ثورة الأرز" السياسية هي المحفز والعنوان لمشاركتها في الإنتخابات القادمة.
ففي الوقت الذي تشدد قوى الرابع عشر من آذار على العناوين السياسية التي تجعل من هذه الإنتخابات مسألة مفصلية في تاريخ لبنان لأنها ستؤكد على خيارات معظم اللبنانيين في أمان واستقرار لبنان في حال تجددت الأكثرية النيابية، أو أن لبنان في حال عكس ذلك سيقع بشكل حاسم من جديد في يد التحالف السوري الإيراني، وهذا يعني عملياً وضع مصير الوطن تحت رحمة الولي الفقيه وأتباعه في سوريا ولبنان، بالمقابل تبرز خطابات الرئيس نبيه بري الأخيرة التي يصف بها الإنتخابات القادمة بأنها أقل من عادية، وبأنها ستكون أكثر الإنتخابات مذهبية ووقوعاً تحت تأثير المال. وهذا يعني نظرياً انه محبط مسبقاً، ولا يرى جدوى حتى من إجرائها، ومع ذلك نراه يعد العدة منذ عدة أشهر لخوضها كالمعتاد بالترغيب من خلال "الاستبسال" للحصول على أكبر قدر من أموال مجلس الجنوب، وبالترهيب البلطجي للخصوم، وهذا ما يؤكد على أن فريقه هو من يعتبر هذه الإنتخابات مصيرية لأن خسارتهم لها ستؤدي الى تغيير المعادلة التي جعلت الرئيس نبيه بري مالكاً لحق الفيتو في لبنان.
أما العنوان الثاني المحبط فقد انبرى لتسويقه خطباء "حزب الله" في إصرارهم على أن لا شيء سيتغير مهما تغيرت الخيارات الديموقراطية، وأن إصرارهم على امتلاك القدرة على تعطيل الحكم هو مضمون من خلال واقع امتلاك السلاح والقدرة المجربة على استعماله في الداخل لليّ الأذرع. كل هذا بالإضافة الى الإصرار على أن الأكثرية النيابية سوف تواجه بأكثرية شعبية افتراضية حسب خطاب السيد حسن نصرالله.
ولكن الأخطر من كل ذلك، هو الايحاء باعتراف قيادة "حزب الله" بخسارة الانتخابات مسبقاً، أو التأكيد على أن الفروقات بين الرابح والخاسر لا تستأهل خوض معركة مصيرية من أجلها، أو أن الشراكة في الحكم هي أمر مفروغ منه بغض النظر عن من يملك الأكثرية.
كل هذه العناوين تحاول من خلالها قيادات الثامن من آذار التوجه بها الى المواطنين المؤيدين لطروحات الرابع عشر من آذار لتليين عزيمتهم وتسخيف جهودهم وإطفاء حماستهم لربح الإنتخابات القادمة حتى يتسللوا في غفلة لكسبها لأنها بالفعل مصيرية بالنسبة لهم كما هي بالنسبة لنا.
فتصريحات من نوع ما سبق تصبح محفزاً إضافياً لزيادة نسبة الاقتراع بين ناخبيهم، وبالمقابل تخفيضها لدى ناخبينا، مع العلم أن "حزب الله" يملك أصلاً احتياطاً ثابتاً من أصوات الحزبيين وأفراد الميليشيا ومن شبكة المرتبطين بمؤسساته.
سوريا وإيران
هذا من ناحية الوكلاء المحليين، أما من ناحية التحالف الإقليمي بين سوريا وإيران، فقد يكون هناك بعض التباين في جدوى أو أهمية الحصول على الأكثرية النيابية. بالنسبة للنظام السوري، فإن هذه الإنتخابات تشكل فرصة أخيرة له لنسف أعمال المحكمة الدولية من خلال مجلس نيابي مؤيد له وحكومة تتعاون مع نظامه يمكنها إعاقة إجراءات المحكمة في استدعاء المتهمين والشهود أو التحقيق مع متهمين جدد لم تصل اليهم أي من لجان التحقيق بدواع متعددة قد تكون أهمها مسألة سرية التحقيق.
كما أن وجود حكومة تابعة في لبنان ستؤدي بطبيعة الحال الى التخفيف من الضغوطات الدولية على سوريا للمضي قدماً في إجراءات التطبيع من خلال حصر العلاقات بالأطر الديبلوماسية وترسيم الحدود وتحديد مصير المعتقلين وسحب المواقع السورية المسماة باسم الفلسطينيين.
أما بالنسبة لإيران، وإن كان الهدف النهائي هو وضع لبنان تحت سلطة الولي الفقيه، إلا أن الوضع الآن ليس جاهزاً لتحقيق هذا المشروع العقائدي لعوامل متعددة منها الديموغرافي ومنها عدم قدرة "حزب الله" في الوقت الحاضر على الانتقال من الحالة الثورية والميليشياوية الى مرحلة إدارة الدولة، لذلك فهناك حاجة دائمة الى غطاء رسمي قادر على إدارة الأمور والتعامل مع العالم، في حين يبقى ذراع الولي الفقيه، أي حزب الله، حراً طليقاً في عملية إفشال الدولة دون إسقاطها، وفي سياسة تطفيش النخب حتى لا يبقى في لبنان إلا المطواع. لذلك فإن كان "حزب الله" لا يبدو متحمساً للحكم بمفرده، ولكنه بنفس الوقت يحتاج الى الحصول على نسبة نيابية مريحة تضعه في موقع القادر على التعطيل دستورياً بدل أن يضطر الى اللجوء الى سيناريوهات مكلفة مثل ما فعل في السابع من أيار 2008.
تأكيد مصيرية الإنتخابات
كل هذه الوقائع تؤكد أن المعسكر السوري الإيراني وأتباعه يحاولون سرقة الإنتخابات من خلال الاستغفال والتقليل من الأهمية ومن خلال تيئيس وإحباط اللبنانيين، وهذا ما يجب أن يكون دافعاً ثانياً للتحدي كما فعلنا منذ الرابع عشر من آذار سنة 2005 والذهاب بنسبة غير مسبوقة للفوز بالأكثرية.