القبــة الحديديّــة
العرب عموماً المنشغلون هذه الأيام بالحديث عن المصالحات، والتي على ما يبدو حتى الآن أنها ستظل شكلية، ولن تتجاوز حلاوتها "طرف اللسان" على الرغم من النيات العميقة الصادقة التي أبدتها قولاً وفعلاً المملكة العربية السعودية، والتي يقابلها من الجانب الآخر، أقوال متناقضة ومواقف مناورة كأنها تضمر غير ما تعلن، أما الحديث عن "جدولة" الخلافات و"إدارتها" فيبدو كبدعة ضلالة جديدة تشبه لسخرية قدر الوضع العربي بدعة وخدعة ما يسمى بـ"حكومة الوحدة الوطنية" في لبنان،أو بلغة الفلسفة "جمع الأضداد"، أو بلغة الوصاية تعطيل الحكم!!
المشهد العربي شديد المأسوية و"الملهاوية" – نسبة إلى ملهاة – فمن نظرية "إمام المسلمين" التي وصف بها نفسه أمس الأول الرجل ذو "الكتاب الأخضر" وفي تحدٍ فاقع لمشاعر ناس الأمة الإسلامية عموماً، الذين لم يستطيعوا أن يكتشفوا حتى اللحظة من أين استلّ "العقيد معمّر" لقبه هذا، وهل الأمر لا يعدو كونه "عقدة" لأنه ظل "عقيداً" طوال عمره فـ "تعقّد من رتبته"، مع أنه بحسب ظنّه باستطاعته اجتراح المعجزات كـ "النهر الأخضر" مثلاً، في تحدٍ مروّع للقدرة الإلهية، فإذا بملياراته تتحوّل إلى مستنقع للحشرات والفطريات والبعوض، لأنه استطاع "خلق" نهر، إلا أنه عجز عن "خلق مجراه" وعن "إجرائه" أيضاً!! والأكثر مأساوية فيما جادت به قريحته، حديثه عن مكانته "العالمية" التي لا تسمح له بالاختلاف مع أحد، وهو لأعوام قليلة خلت كانت نظرة العالم إليه تختصرها كلمة "إرهاب" والتخصص في "زرع الحروب واستهداف المدنيين في الطائرات وزعزعة الاستقرار" وأهم إنجازاته على الإطلاق"تدبير عملية لاغتيال قادة في الحرم المكي الآمن"!!
أما على الجانب اللبناني، فحدّث ولا حرج فالمشهد أكثر مأساوية من المشهد العربي، سواءً على مستوى الترشيحات المتفلتة من قبل جماعة 14 آذار أو جماعة 8 أيضاً، فهل هناك ملهاة انتخابية سياسية أكثر إحراجاً من ترشيح غطاس خوري لنفسه – وهذا حقه – في منطقة ابن دير القمر دوري كميل شمعون، وافتتاحه موسماً انتخابياً على حسابه، وبمعزل عن لوائح 14 آذار التي قيل لنا أنها ستكون موحدة!! والأسوأ من ترشيح الدكتور غطاس خوري لنفسه هذا الإصرار على حديث التضحية (…) ما بال الجميع يصبحون في لحظة مضحين كما يُخيّل لـ "ميشال عون" ويدّعون التضحية؟ وما هذا المنطق السقيم في محاولة إقناعنا بأن كل من "سنّ أسنانه" ووعد نفسه بالرئاسة أو النيابة ولم يصل إليهما على رغم أن المنطق العقلي يقول ان وصوله إلى الرئاسة من المستحيلات، فإذا به يربّحنا جميلة بتضحياته!! ماذا نقول إذن عن الذين "استشهدوا" في قافلة ثورة الأرز، هؤلاء ضحوا بأرواحهم، وماذا نقول عن الذين تعرّضوا للاغتيال ونجوا بخسائر باهظة، هؤلاء ماذا يمكن أن نسمّي تضحيتهم، وما الثمن اللائق الذي يحق لهم مطالبتنا به انطلاقاً من منطق أحقيتهم بالتضحية،على هذا القياس يحق للإعلامية مي شدياق أن تكون مرشحة "لرئاسة الجمهورية" – على اعتبار أن الشرط الماروني متوفر فيها – ما هذا المنطق السقيم الذي لا يستقيم "عقلاً" مهما أعلن أصحابه أنهم لا يتحدّون أحداً!!
وعلى مقلب 8 آذار المشهد أكثر كاريكاتوريّة، وقد نحتاج إلى مسح طوبوغرافي سياسي لنفهم ماذا قصد الرئيس نبيه بري عندما غمز خاصرة ميشال عون بأن الضاحية مقابل جبيل!! و"يا سعد وهناء" أهل جبيل وجوارها فمن حيث لا يدرون اكتشفوا أن "ضاحية" تزنّرهم كتلك التي زنّرت بيروت وطوّقتها في تخطيط مدروس ومدبّر أحاط بمداخلها إلى أن أصبحت كالحمامة المطوّقة!! هذا ومن المحتمل أن نشهد قريباً وصلات ردح متبادلة بين الجنرال المتوتر دائماً ونواب حليف حليفه، ولا نظن أن السيّد حسن نصر الله قادر على حل هذه المعضلة،فقد جاءت ساعة "الحشرة"!!
وسط مأسوية هذا المشهد العربي عموماً واللبناني خصوصاً، أعادت وسائل الإعلام العالمية والعربية الحديث عن مشروع "القبة الحديدية" في إسرائيل مرتين، الأولى عندما كشفت عن الانتهاء من إعدادها، والثانية عندما أعلنت بعد يومين فقط من الخبر الأول عن تجربة هذه القبة بنجاح، وما بين هذين الخبرين، حملت الصحف منذ بضعة أيام خبراً لم يتسع له العقل العربي ولا اللبناني بعد، وفي الخبر إعلان لا ينذر إلا بشرّ الحرب المقبلة تحت عنوان: "تدريب غير مسبوق في تاريخ إسرائيل وإنذار في حزيران وكأن الحرب تندلع غداً "..
أما أخطر ما جاء في هذا الخبر فحديث مفصّل عن تدريب يشمل كل أنحاء إسرائيل في حزيران المقبل لمواجهة حرب محتملة أو تساقط مئات الصواريخ عليها دفعة واحدة"!! ففي الثاني من حزيران ستدوّي صفارات الإنذار في إسرائيل، وستتم دعوة كل الإسرائيليين «للتوجه إلى الملاجئ». أما القرار النهائي لتنفيذ هذا التدريب، الذي سيدوم خمسة أيام بين 31 أيار و4 حزيران، فستتخذه الحكومة الإسرائيلية الجديدة بعد تسلّم مهامها هذا الأسبوع ربما، أما الهدف الإسرائيلي من المناورة الكبيرة فهو إدخال الجمهور في "ثقافة" الطوارئ وكأن الحرب ستندلع غداً!!
وما بين المشهدين العربي واللبناني، ومشهد القبة الحديدية التي قيل أنها قادرة على تفجير الصواريخ قصيرة المدى كالكاتيوشا والقسام وحتى قذائف الـ 155 ملم المدفعية في منتصف الطريق قبل أن تصيب أهدافها، ومع أكثر الحكومات تطرفاً في تاريخ إسرائيل وما بين أفيغادور ليبرمان وبنيامين نتنياهو وإيهودا باراك المحتاج إلى فرصة أخيرة يخطها بالدماء العربية، علينا أن ندرك أننا نتلهى لبنانياً بـ "نتش" مقعد من هنا و"كدش" موقع من هناك، فيما العدو يعدّ عدّته للمنطقة برمتها، والإسرائيليون عادة ما يفضلون حزيران لخوض حروبهم!!