الإجماع.. كوسيلة للتعطيل
خط للممانعة من الدوحة إلى بيروت
قد نشاهد أو نسمع أو نقرأ عن انعقاد القمة العربية الخمسين في جزر القمر أو أي دولة عربية حالية وربما جديدة وان جدول أعمالها هو "فض الخلافات العربية" تمهيداً للخروج برؤية موحدة حول حل قضايا الأمة إذا كان ثمة إمكانية للتوافق على ماهية تلك القضايا أو حتى تحديدها.. وحتى ذلك الوقت سيبقى هدف القمم العربية البحث عن إجماع عربي يأخذ بعين الإعتبار الاتفاق على مقومات تلك الأمة ودورها على كل المستويات ولا سيما سبل الخروج برأي واحد حول ماهية الحلول لمشاكلها. وفي ظل استبعاد الوصول الى وضع نموذجي لمقاربة هذا الموضوع يبقى غياب التعاطي العربي الواقعي مع قضايا العرب هو المؤشر لنجاح أو فشل أعمال القمم.
مصدر ديبلوماسي عربي رأى وجود منهج لدى بعض الدول العربية وهو ينسحب على بعض القوى القطرية سمته الدفع غير الواقعي للأمور باتجاه تحقيق إجماع حول الرؤية والحلول لسائر القضايا المطروحة. وإذا استحال ذلك يعمل هذا المنهج على تقديم العمل العربي القطري أو الخاص على أي عمل يتسم بالشمولية وذلك تحت ذريعة ان هذه القضية أو تلك تهم هذا العدد أو ذاك من الدول وينبغي عدم مقاربتها إلا في ضوء الموافقة أو التصميم عليها.
ويوضح المصدر ان الرئيس السوري بشار الأسد اعترض على المبادرة العربية للسلام التي أعلنها الامير عبدالله بن عبد العزيز يوم شارك في قمة بيروت ممثلاً لخادم الحرمين الشريفين الملك فهد. وقال خلال قمة الدوحة بالأمس "يجب عدم طرح مبادرات تتعلق بقضايا محددة تخص دولاً معينة من دون موافقتها". ويستطرد ليقول "ان الجدال الذي دار حول موضوع المبادرة في القمم العربية وخارجها.. وحديثي كان ولا يزال ينطلق من كون سوريا واحدة من الدول الثلاث المعنية مباشرة بالمبادرة وعملية السلام مع لبنان وفلسطين ومن كون الموضوع يتعلق بمصالحنا الوطنية"، الأمر الذي يعني ان عملية السلام أو القضية الفلسطينية تحولت الى مسألة تعني سوريا ولبنان وفلسطين في ما الدول العربية تبدو غير معنية كلما بعدت بالجغرافيا عن القضية المركزية وهذا منافٍ لأبسط قواعد العمل العربي المشترك.
ويقول المصدر لو صح ذلك لوجدنا معظم الدول العربية غير معنية بالقضية الفلسطينية وبالسلام وان الأمر متروك للمعنيين في الدول الثلاث حيث تختلف مقاربة كل منها للقضية الفلسطينية وللسلام. ففي الوقت الذي ترى فيه سوريا "ان المحافظة على السلام مع إسرائيل" يبدأ بمنع أي مواجهة عسكرية على الحدود مع الدولة العبرية، ترى حماس وحزب الله عكس ذلك، فيما الشرعيتان اللبنانية والفلسطينية تريان غير ذلك من أساليب ووسائل تضبطها اتفاقيات وعهود.
ويضيف المصدر ان المنهج الذي تعتمده سوريا يعكس تناقضاً مع الطروحات السورية القطرية إذا صح التعبير ويستعمل هو نفسه لاستجداء تضامن قومي بشروط محلية تحت طائلة التهديد بالتوجه الراديكالي الذي تمثله حركة حماس وحزب الله والذي يطال بنتائجه الأمة كلها وهو في القبضة السورية يتحرك تبعاً للمصالح الذاتية وليس القطرية فقط. الأمر الذي يعني ـ وهذا ما قاله الرئيس الأسد ـ اننا في سوريا ولبنان وفلسطين من نحدد طبيعة القضايا أو القضية التي تعنينا وسبل معالجتها والآخرون ينفذون ويمولون… حتى انه يشترط قبول جميع الأطراف بالمبادرة العربية مثلاً أو يعتبرها من القضايا أو المبادرات وان لا يقتصر القبول على بعض الأطراف المعنية الأمر الذي يتطلب اجماعاً وإلا لا مبادرات.
ويستذكر المصدر ما يجري في لبنان تحت عناوين الإجماع، فإما ان تجمع كل الأطراف اللبنانية الموجودة في الحكومة والمجلس النيابي وحتى خارجهما على معالجة قضية من القضايا وإلا تبقى الحلول معلقة بانتظار الاجماع. وهذا يتطلب حضوراً لجماعة الاجماع في المؤسسات لرعاية عملية التعطيل هذه كما الثلث المعطل في الحكومة والمجلس النيابي والشارع مما يجعل الدولة عاجزة عن القيام بأي تطوير للانظمة أو معالجة قضايا الناس على أنواعها.. والأمر لدى السلطة الفلسطينية يشبه ما يجري في لبنان من تعطيل لعملية التطور أو التغيير.
ويرى المصدر ان المعنيين بهذا المنهج سواء في سوريا أو لبنان أو فلسطين لا يقدمون حلولاً انما يوصفون الوضع. فالرئيس الأسد الذي يقول ان "المبادرة العربية غير فاعلة ولو عملنا على تفعيلها لغياب شروط التفعيل. فإسرائيل لا تقبل بها". فانه لم يقترح حلاً فقط بل رفض المبادرة في الشكل والمضمون ولم يقل عما إذا كان الحل هو ما قامت وتقوم به سوريا من مفاوضات مع إسرائيل في ظل ثبات سلبي على الجبهة معها. اما ما قام به حزب الله أو حركة حماس بدعم إيراني.. بالتأكيد فإن خيارات الرئيس السوري النظرية مرتبطة بحماس وحزب الله فيما الواقعي منها يتعلق بالمفاوضات استناداً الى مبدأ خاصية القضية أو قطريتها وبالتالي تسخير الآخرين لهذا التوجه في ظل حملة كانت ذروتها في قمة الدوحة حيث نعى الرئيس الأسد المبادرة العربية وضخّم الخلافات حولها وحول قضايا كثيرة اخرى.
وتساءل المصدر عما يمكن ان يحدث لو انصاع العرب وراء المنطق أو المنهج القطري للرئيس الأسد وراحت كل دولة عربية تتعاطى مع قضاياها على هذا الأساس من دون أي تضامن عربي وان كان غير فاعل الأداء حيث يجب مناقشة سبل جعل التضامن بين سائر الدول فاعلاً لا تغتاله صيغ الاجماع المستحيلة التي يشترطها البعض للقيام بأي خطوة على طريق وحدة الموقف والعمل لأجل خلاص الأمة.. فما يطبع كلام الأسد ينسحب على بعض القوى في لبنان التي تشترط اجماعاً حول كل شيء وإلا الثلث المعطل. وان القتال والتعطيل داخل المؤسسات ووقف تطور الدولة أفضل من القتال والتعطيل في الشارع، وهذا استحضار لمنطق ومنهج السابع من أيار.. منطق التهديد بالغزوات.