ديبلوماسية وحنكة في التحضير والتصرّف مكَّناها من تجاوز أفخاخ كثيرة
زيارة جعجع لزحلة صناديق الاقتراع تحدد مفاعيلها
ماذا سيكون تأثير زيارة رئيس الهيئة التنفيذية لحزب "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع لزحلة انتخابيا؟ السؤال بدأ طرحه منذ اللحظة الاولى التي عرف فيها الزحليون بوجود جعجع بينهم، لتمضية عطلة الاسبوع الفائت في مدينتهم.
ليس من مصلحة احد ان يستعجل الاجابة، لان "من يضحك كثيرا هو من يضحك اخيراً"، فالزيارة زرعت بذارا، اما مفاعيلها فستظهر بعد الانتخابات النيابية، فاما ان تزهر واما تذوي.
ولكن يمكن القول ان مفعول زيارة جعجع، الزحلية راهناً، لن يكون مغايرا لمفاعيل زيارة اي زعيم آخر: ستعيد شعلة الحماسة الى القاعدة الحزبية وتشد ازر المناصرين، وتحفز الحلفاء على "شدشدة" قواعدهم. فالانضواء في خط سياسي واحد لا يلغي ابراز الاحجام خصوصا على ابواب الانتخابات، كما انها ستشد تلقائيا في شكل مضاد، عصب قواعد فريق الخط السياسي الآخر.
ففي ظل الاصطفاف السياسي الحاد السائد، لن تستميل الزيارة اصواتا جديدة في صفوف الناخبين غير الملونين سياسيا، خصوصاً ان خطاب جعجع السياسي في زحلة لم يحمل جديدا. فالتغيير الجذري في المواقف سلبا او ايجابا يحصل عند الانعطافات الكبرى، مثل مذكرة التفاهم بين "حزب الله" و"التيار الوطني الحر".
والسؤال الجدير طرحه هو عن تأثير الزيارة "الزحلاوية" على "القوات اللبنانية" وسمير جعجع كقائد لها؟ وللاجابة عن هذا السؤال لا بد من قراءة الاوجه العديدة التي حملتها:
فقد سمحت الزيارة لـ"القوات اللبنانية" بان تجس نبض شارعها في زحلة وقضائها والى ابعد من القضاء، ان من خلال استقبال جعجع للوفود الشعبية في فندق "قادري الكبير"، او من خلال الحشد في "قداس الشهداء" الذي كان جامعا لقوى 14 آذار، ولكنه حمل البصمة "القواتية" تنظيماً وحضوراً وهتافات ورايات كللتها "نجومية" جعجع الذي كان القطب الوحيد الحاضر والجاذب، في مشاركته في القداس.
كما اعطت الآخرين فكرة عن حجم "القوات اللبنانية" في هذه المنطقة المسيحية المتنازع عليها انتخابيا. فتقدير حجم الحشد في "قداس الشهداء" كان الشغل الشاغل لجميع الأفرقاء، وتقويمه لا يمكن ان يكون مطلقا، بل نسبيا، ويختلف باختلاف طريقة طرح السؤال. من دون شك كان الحضور حاشدا، ولكن السؤال: هل هذا هو حشد الاحزاب الثلاثة اي "القوات" والوطنيين الاحرار والكتائب والشخصيات التي شاركت في القداس مثل المحامي نديم بشير الجميل؟ ام انه حشد "قواتي" في غالبيته؟ وهل هذه تاليا، حقيقة قدرة "القوات" على الحشد في هذه المنطقة؟ هل كانت الاحزاب الاخرى ستحشد في شكل اكبر لو ان القداس حمل بصمتها، كما في السنة الاولى لاعادة احياء الذكرى حين كان الرئيس امين الجميل هو القطب الوحيد الحاضر؟ او لو حضر المحامي سامي الجميل القداس كما كان مقررا وليس الدكتور سليم الصايغ؟
لكن تقدير الحشود وتزخيم حماستها ليسا هما الاهم في تقويم هذه الزيارة ان لم تربط "بالطبخة" الانتخابية للائحة 14 آذار في زحلة ودور "طباخيها"، وامتدادا في انعكاس نتائجها على تموضع مواقعهم سواء داخل قوى 14 آذار او في الشارع المسيحي.
لا بد من الاشارة اولا الى ان دائرة زحلة الانتخابية تتمثل بخمسة مقاعد مسيحية في مقابل مقعدين للطائفة الاسلامية (سني وشيعي). وتنطلق لائحة 14 آذار في هذه الدائرة في معركتها مزودة قوة دافعة متمثلة بالكتلة الناخبة السنية، في ظل تشتت الاصوات المسيحية على اكثر من طرف. وعليه، فان حضور جعجع الى زحلة قبل شهرين من الانتخابات، يضفي عباءة مسيحية للائحة 14 آذار في شكل عام ويبرز بقوة دوره مرجعية في تأليف اللائحة و"القوات" قوة مسيحية دافعة لها. وبدا ذلك ان من خلال استضافته في مقر اقامته مرشِحين ومرشَحين ضمن خط 14 آذار، او من خلال مأدبة العشاء التي اقامها في فندق قادري، بحيث كان استعراضاً عند طاولة الشرف لمرشحين فعليين ومشاريع مرشحين يصافحون "الحكيم"، لينضم اليها المرشحون اصحاب الحظوة.
وتجدر الاشارة في هذا الاطار، الى "الديبلوماسية" و"الحنكة" اللتين طبعتا الجولة الانتخابية لـ"القوات" وقائدها في زحلة مما مكّنها من تجاوز فخاخ كثيرة، بدءا من حرص جعجع على عدم الدخول في اسماء المرشحين ردا على اسئلة الصحافيين، متمسكا بدعم القرار الذي يتخذه الزحليون رداً على الحملة الانتخابية المحذّرة من مصادرة القرار الزحلي ونقله الى مكان آخر. كما كان هناك حرص "قواتي" على مداراة المرشحين من خلال دعوتهم جميعا الى مأدبة العشاء واجلاسهم جميعا في الصف الاول خلال القداس.
فخ ابراز التباين بين "القوات" والكتائب الذي بان اكثر من مرة خلال الزيارة وتمظهر في اشكال عدة، وخصوصا خلال القداس، أمكن استيعابه من منظميه "القواتيين"، كما امتص جعجع مفاعيل ارتدادات "اللغم المحلي" لاعلان زيارة الرئيس الجميل المفترضة لزحلة.
لقد دخل جعجع وفريقه "القواتي" من "دون تدفيش" الى زحلة، سواء عبر تكرار تأكيده موقع "بيت سكاف" في زحلة وفصل العلاقات الشخصية عن التباين في السياسة وان لم يرحم في خطابه الخط السياسي الذي ينضوي فيه هذا البيت. علما ان هذا "التكتيك الذكي" لجعجع وفريقه الذي حال دون تكرار "اخطاء الآخرين"، ما كان قابلا للتنفيذ لو ان "القوات" كانت معنية مثلا كقيادة الكتائب بجريمة حوش الزراعنة التي ذهب ضحيتها كتائبيان احدهما شقيق الوزير ايلي ماروني بل ان هذا التكتيك لم يكن مرضيا محليا على الصعيد الكتائبي.
اضف ان "القوات" التي انتقلت مع جعجع الى زحلة لا تشبه الوجه الميليشوي الذي عانى منه الزحليون عندما دفعوا ثمن الصراع الدموي بين جعجع والنائب السابق المرحوم ايلي حبيقة. فهي لا تزال قوة "رهيبة" كعقل امني وانضباط حزبي وقدرة مالية انما لا تمت تصرفاتها بصلة الى العراضات واظهار العضلات، بل كان اداؤها مثيرا للاعجاب وللرهبة في آن واحد.
من جهة اخرى، اغتنم جعجع الزيارة للتصالح مع المدينة التي تحفظ له في ذاكرتها الجماعية نقاطا سوداء، فهو حضر للمشاركة في قداس "شهداء المدينة"، ولكن استذكار الماضي الدامي لمرحلة معينة لا بد من ان تطفو معه ذكريات اخرى ليست جميعها في مصلحة جعجع.
فذروة الزيارة لم تكن في قداس الاحد، بل مساء السبت في الزيارة الخاطفة التي قام بها جعجع لراعي ابرشية الفرزل وزحلة للروم الكاثوليك المطران اندره حداد في مقر المطرانية نفسها التي فجرتها "القوات"، خلال حرب الاخوة بين جعجع وحبيقة، مقدما اعتذاره للمطران حداد الذي اصيب في التفجير، ومتقبلا بركته. وهنا ايضا تفادت "القوات" لغما كان سيطيح كل اهداف الزيارة.
وان تعقد الخلوة بين حداد وجعجع، بعيدا من الاعلام، لابقاء وجدانيتها وعفويتها وصراحتها امر يسجل لمهندسيها. ولكن فعل الـmea culpa الذي قام به جعجع كان ليترك اثرا اعمق في تطهير الذاكرة وتنقية الضمير واخذ العبر وقلب الصفحة نهائيا في مسيرة انتقال "القوات" مع جعجع، من تاريخها كميليشيا الى حزب، لو لم يكتف بتسريبها من الاعلام "القواتي"، وتمت مناقشتها علنا. فحديث جعجع في الاعلام عن هذه الزيارة واهدافها وعبرها، كان ليضيق المجال امام الروايات المتعددة المتناقلة عما دار بينه وبين المطران حداد، تماما كما فعل عندما قدم روايته عن حرب زحلة التي ستحفظ للتاريخ.
ما هو تأثير زيارة جعجع؟ هذا التأثير يجب ألا يقاس بالنسبة الى الخط السياسي المناوىء له بل ضمن خط 14 آذار نفسه.
وما يمكن قوله الى الآن ان "القوات" لن تدخل لعبة التمثيل الحزبي على لائحة 14 آذار في زحلة، فالوقت لم يحن بعد والمرحلة تقتضي المحافظة على الخصوصية الزحلية، ولكن "القوات" ابلغت الجميع، في شكل غير مباشر، انها القوة المسيحية الدافعة والبعض يقول "المنتدبة"، ان من حيث تبني المرشحين المسيحيين، ولا سيما منهم "غير الحزبيين"، وهم الاكثر عددا، على اللائحة، او من حيث رفدها بالاصوات المسيحية. واذا فازت اللائحة تاليا او خرق المرشحون المستقلون، فهذا فوز لـ"القوات" اما الفوز الآخر فيتحقق اذا ما التحق النواب المستقلون فيها بكتلة القوات، وعند ذلك سيبدأ مفعول زيارة جعجع لزحلة.
وحدها نتائج الانتخابات ستحدد مفاعيل هذه الزيارة فاما تكون تأسيسية واما مجرد جولة انتخابية.
زحلة – من دانييل الخياط