عندما يصبح الطرش نعمة
بدخول الطبقة السياسية في لبنان واتباعها الحرب الكلامية التي تستعمل فيها جميع انواع الاسلحة لتفخيخ عقول المواطنين استعيد ذكرياتي مع عبدالله لحود بعد انتقاله في نهاية حرب الاخوة من بيروت الى بلدته عمشيت وكنت اشاطره اوقاته باستمرار.
كان دوماً بعد ذهاب رواده وسماعه احاديثهم المشحونة بالغرائز يردد امامي: اصبحت اعتبر ما اصابني من خفة في السمع نعمة مميزة تحجب عني هذا التلوث الفكري الذي يلف الوطن وتساعدني للحفاظ على صفاء عقلي وصحته. هذا بالامس اما اليوم فلو كان عبدالله لحود ما زال حياً لكان اعتبر الطرش نعمة اكبر لحمايتنا من التلوث الفكري والكلامي الذي اخذ يشتد حتى عند بعض تلامذته السابقين. ويذكرني هذا الوضع بما قاله الفيلسوف اليوناني ديوجين "احسن واسوأ عضو لدى الانسان هو اللسان" ويبدو اننا اخذنا منه الاسوأ. يتمايز بين السياسيين ائمة اللسان الرئيس بري باجتهاداته الجريئة والمستحدثة والجنرال عون بتقلباته الغريزية وكل منهما يسعى الى تأمين استمرار رئاسته او الوصول اليها.
عبقرية الاجتهاد جعلت الرئيس بري يحمي النظام البرلماني الذي كان يدعو اليه عبدالله لحود باقفال مجلس النواب سنتين واخفاء المفتاح في جيبه وتعريض نواب الاكثرية لمزيد من الاغتيال فتتحقق الديموقراطية العددية، اجتهاد آخر قضى بابتداع الثلث المعطل لتحقيق الديموقراطية الجديدة، وثالث استبدال للعلمنة بالمذهبية وفصل السلطات بتطبيق المحاصصة في كل منها والاجتهادات عديدة وغب الطلب، وقد اصبح اليوم اقرب الى "حزب الله" وابعد عن عبدالله لحود رغم مشاركته في احتفال تكريمه.
اما التقلبات الغريزية للجنرال عون بعد الطائف والهروب الى باريس وزيارة الكونغرس الاميركية والعودة الى لبنان وذهابه الى سوريا على طريق دمشق العجائبية فهي مستمرة ومتنوعة، فسوريا الارهاب اصبحت سوريا الحبيبة وحرب التحرير دعوة الى الاعتذار من نظام الاسد واميركا الصديقة العدوة اللدودة، وخلص الى نقل مار مارون من بكركي الى حمص مسقط رأسه. وتفاقمت هذه التقلبات المحمومة بعد ان انتهى لبنان من قطوع لحود الذي كلفه الكثير من الاغتيالات والتفجيرات، وتمكن من عدم الوقوع في قطوع عون بانتخابه رئيساً معتدلاً وحكيماً. وقد تكون ذكريات عون اعادته الى سليمان الحكيم فازداد غضبه المكبوت والمعجزة الاكبر هي في عدد مستوى المنساقين وراءه بعد ان افقدهم نبوغه حاسة النقد.
لقد وضعت الطبيعة مئات الملايين من سنين التطور للوصول الى العقل البشري وهو ما زال مراهقاً، وهذا العقل معرض اليوم في لبنان نتيجة التلوث العقلي لشتى الامراض ولا سيما انها تنتقل بسرعة بواسطة وسائل الاعلام السمعية والبصرية.
لقد بلغ الوضع منتهى الخطورة فلا بد من اعلان حالة الطوارئ العقلية واتخاذ اقصى تدابير الوقاية لحمايته من مفاعيل التلوث حتى لا نعود الى عهد الغرائز الذي سبقه وما زال يفتك بعقول الكثيرين منا ويصبح طموح الانسان العاقل فقدان البصر والسمع.