إنجاز تاريخي لإعطاء المتحدّرين الجنسية اللبنانية
تجاوب واسع مع بكركي ذلّل عقبات 51 عاماً
تحققت امس خطوة مهمة وجوهرية في سياق معالجة قضية المنتشرين المتحدرين من اصل لبناني لاستعادة الجنسية اللبنانية، بعدما اقرت لجنة الادارة والعدل المبادىء العامة لمشروع القانون الذي كان النائب نعمة الله ابي نصر تقدم به، في صيغة وطنية ترضي جميع الاطراف وتلائم تطلعات المسيحيين من دون ان تشكل أي استفزاز او تسجل نقاطاً سياسية او طائفية على أي فريق، على ان يقر المشروع بصيغته النهائية يوم الاثنين المقبل.
فلاول مرة منذ عام 1958 تتم المبادرة الى اعادة الجنسية اللبنانية الى هؤلاء المتحدرين. وما حصل في لجنة الادارة والعدل، في خضم انصراف القوى السياسية الى تشكيل اللوائح الانتخابية، يعدّ بادرة من خارج السياق التقليدي للممارسة السياسية، اذ جرى التعامل مع قضية جوهرية بابعاد مستقبلية، بقدر واسع من الحكمة، تجلت في تجاوب جميع الاطراف مع المساعي التي بذلت في الايام الاخيرة. وقد انعكس ما حصل في اللجنة ارتياحا عاما لدى القوى المسيحية والكتل النيابية التي ساهمت في تذليل العقبات واخراج المشروع بصيغته الفضلى.
والانتصار الذي تحقق بموافقة اللجنة على صيغة المشروع بعد سلسلة اجتماعات ظهرت فيها بعض المواقف المتشنجة والرافضة لإمراره، يعد انتصارا وطنيا وليس انتصار طرف على طرف، ويهدف الى استعادة الجنسية للمتحدرين من اصل لبناني، كحق وطني، بعيدا من الحسابات الضيقة وتحقيقا لفكرة التواصل بين المقيمين والمنتشرين في الخارج.
وقد ساهمت مجموعة من الاطراف المسيحيين من عدد من المواقع السياسية، على اختلاف تنوعهم وانتماءاتهم السياسية ، في دعم المشروع الذي تقدم به ابي نصر بعد ادخال تعديلات منطقية عليه. وفي خضم الخلافات الانتخابية والسجالات السياسية، يسجّل لهؤلاء انهم جندوا موحدين، بغض النظر عن انتمائهم الى المعارضة او الاكثرية، اجتماعاتهم واتصالاتهم بكل القوى المتنوعة الاتجاهات الطائفية والسياسية من اجل انجاز مطلب مزمن ومحق عمره اكثر من واحد وخمسين عاما. وتضافرت جهود نواب من لجنة الادارة والعدل، المنتمين الى مختلف التيارات والاحزاب المسيحية الفاعلة والاساسية و"اللقاء الديموقراطي" بدعم واضح من النائب وليد جنبلاط مع جهود نواب من خارج اللجنة، وبدعم من البطريركية المارونية واتصالات قامت بها المؤسسة المارونية للانتشار، لحشد تأييد واسع واقرار المشروع بصيغته المحقة.
وكانت بكركي واضحة في رسائلها غير المعلنة لضرورة اقرار المشروع، وخصوصا ان ثمة من كان يسعى الى حصر اعطاء الجنسية وتقييدها بشروط وبسنوات محددة، كادت تفرغ المشروع من هدفه الاساسي. وتوجت بكركي موقفها باعلان واضح امس من خلال البيان الشهري لاجتماع مجلس المطارنة الموارنة يدعم حق المتحدرين في الجنسية من خلال القول" ان إشراك اللبنانيين المنتشرين في الانتخابات النيابية أمر له اهميته، فهو يشدهم الى لبنان، ويشعرهم بأنهم لا يزالون لبنانيين، وهذا ما تعتمده بعض الدول التي تسهل على أبنائها سبيل الاقتراع في مهاجرهم، ومن الضروري الاسراع في بت قانون منح الجنسية لمستحقيها ممن اصلهم لبناني، بشروط عادلة ومحقة عملا بقانون معاهدة لوزان الصادر في 30 آب 1924".
وظهر بوضوح امس حجم التجاوب الذي ابداه النواب المنتمون الى كتلة "التنمية والتحرير" و"حزب الله" ومن ثم كتلة "المستقبل" في ملاقاة توجه بكركي، الذي تبلور اعلاميا في بيانها امس، واقرار مشروع له ابعاد وطنية، وخصوصا ان قضية المغتربين والمتحدرين من اصل لبناني تستحوذ على اهتمام كل القوى السياسية.
وبدا التوجه الايجابي بعد نضج الاتصالات على مستوى واسع، يشيع اجواء مطمئنة في مجلس النواب ولدى رئيس المجلس نبيه بري لا توحي عرقلة احالة المشروع بعد اقراره بصيغته النهائية الاثنين المقبل ومروره بالطرق القانونية المعمول بها، على الهيئة العامة لمجلس النواب.
وفي انتظار استكمال الانجاز المهم في تثبيت حق المتحدرين بجنسيتهم وتثبيت علاقتهم باللبنانيين المقيمين، ينتظر ان تستكمل الاتصالات لمواكبة اقرار المشروع، حال اقراره في الهيئة العامة بمراسيم تنظيمية، يفترض بوزارة الداخلية اعدادها. وهو ما يبدي وزير الداخلية زياد بارود كل الاستعداد له، بناء على توجيهات رئيس الجمهورية ميشال سليمان الذي كان حريصا على ايلاء موضوع المغتربين حيزا مهما من خطاب القسم.
ومن شأن هذا المشروع ان يعيد حقا ضائعا، يطالب به ابناء الجاليات اللبنانية وتسعى القوى السياسية في لبنان الى التعامل معه بواقعية، من خلال اقرار الحق، وعدم الاكتفاء بالتعامل مع ملف المنتشرين من زاوية المصالح الضيقة او المكتسبات، بتسهيل حصول ابناء اللبنانيين المتحدرين واحفادهم على جنسية مفقودة في زمن قد يرغب فيه البعض في التخلي عن جنسيتهم اللبنانية للحصول على جنسية اجنبية.