لماذا يستعديني الجنرال؟!..
لم أشعر منذ وعيي الأول أنني منتمٍ الى متحد طائفي أو مذهبي، فوالدي كان من خلاّن المطران أبي فانيوس ووالدتي من عائلة تفتح شبابيكها على الجهات، والمدرسة التي تعلمت فيها (الوطنية الأرثوذكسية في الميناء ـ مار الياس) تقوم في براح كنيسة قديمة، نرتادها في مناسبات توزيع النتائج والاجتماعات العامة، فيما كان المعلم مكاريوس موسى، مدير المدرسة ينظم الطلاب المسلمين في طابور منضبط ليؤدوا فريضة صلاة الجمعة بإشراف أحد الأساتذة، وكان مسموحاً لي ولغيري أن نحضر صفوف التعليم الديني الذي كان يلقيه الخوري جورج خضر وأن نناقش وبإشراف الخوري بولس بندلي (رحمه الله) أخطر القضايا الفكرية والايمانية رغم حداثة سننا في ذلك الوقت.
ومنذ نعومة أظفارنا، تأثرنا بالمعلم كامل درويش الذي كان عاشقاً لنهج البلاغة، ومعجباً بالإمام علي، فامتلأ قلبي محبة له ونفرت من أساليب معاوية، وكرهت يزيد، وبكيت سيد الشهداء وانحزت الى أهل البيت.
والآن، وقد شارفت على السبعين، ما زلت عروبياً تقدمياً متأثراً بجورج حبش ومحسن ابراهيم، ومحمد كشلي وعبد الحليم حريبه، صديقاً لجورج حاوي وكريم مروة، انتمي اليهم مثلما ينتمون الى أهلهم من غير أن نعرف الشيعي من العلوي والسني من المسيحي ـ إلا بسبب الأسماء ـ، وما زلت معجباً بأبي ذر الغفاري الذي اضطهد رغم أنه أحد المبشرين بالجنة لمجرد أنه اعتبر المال حقاً للعموم، وتبعه بعد ذلك كثير من الرواد، لعل أكثر من أثار خيالي فيهم، الفلاح طانيوس شاهين.
ما زالت ذاكرتي لها أنف حساس يتنشق شميم الصنوبر في حدث الجبة، ولها أيضاً عينان تستحضران، غب الطلب، ولادة الضباب في قعر وادي قنوبين المقدس. وما زالت أذناي مترعتين بصوت ديمتري كوتيا وهو يرتل من تلحينه أحد مزامير داود، فيما كان وفي الجلسة نفسها يصدح صوت شيخ القراء الشيخ صلاح الدين كبارة بالمدائح والتسابيح، ونحن في ارتقاء الى أعلى الطبقات الروحية والنشوة الإنسانية.
ومع ذلك فأنا سني بحكم انتمائي المذهبي في دوائر النفوس، وقدمت ترشيحي بصفتي هذه عن أحد مقاعد مدينة طرابلس مرتين، من غير أن اعتبر نفسي ممثلاً لمذهبي أو في غربة عن بقية المذاهب، ولهذا فقد حققت في العام 1972 رقماً كبيراً في الأقلام العلوية بسبب شراكتي للمرحوم نقولا الشاوي، وسجلت رقماً غير مسبوق في الأقلام المسيحية في العام 1992 بسبب نشأتي وصداقاتي.
لم أكن أثناء الحرب الأهلية بعيداً عن تطوراتها، من غير أن أنتمي الى جهة معينة، ولكن حسي النقدي، ومعرفتي الأكيدة أن كل الحروب تؤول الى نهاية، قاداني الى أن النعرات المذهبية والطائفية تفضي الى الخراب، وأن الاتجاه الذي انتميت اليه قد حمّل لبنان أكثر من طاقته على الاحتمال ـ كما قال محسن ابراهيم في تأبين جورج حاوي ـ وأن المصالحة هي قدر لا مناص منه، وأن الشعوب بالغبن الذي قابله شعور بالتهميش، أمر يجب التصدي له بحكمة وحنكة، علماً أن جميع المتصارعين قد اكتشفوا في إسرائيل عدواً لا يؤمن جانبه وأنهم إذا ظلوا، كلهم أو بعضهم على مكابرتهم، فهذا لا يعني إلا خسارة مزيد من الوقت مع استحالة تحقيق غلبة طائفة على أخرى.
لقد ألجأني ضيقي النفسي للإثقال عليكم بهذه النبذة لكي أعبر عن عتب عميق للنهج الإعلامي الذي يعتمده الجنرال في معركته السياسية، ظناً منه أنه بهذا النهج يحافظ على جمهوره ويبقيه متحفزاً ومتوتراً تجاه جمهور، دأب على استهدافه بوسائل تخلت عن التورية والمجاز، ودخلت الى عمق النعرات رغم المخاطر التي تنطوي عليها.
لقد سألت الرئيس ميقاتي المشهور باعتداله وتحفظه ودقة اختياره للكلمات عن سبب تصديه لمعظم تصريحات الجنرال، فأجابني بأنه لم يترك لنا أي مجال، فهو لا يرى فساداً إلا في رئاسة الحكومة، وأمانتها العامة، وقوى الأمن الداخلي، ومجلس الإنماء والإعمار، وجهاز المعلومات، وهو بهذا يوحي أن علة هذه المراكز تعود الى انتماء قادتها الى الطائفة السنية، وهذا ما لا يجوز السكوت عنه لئلا نقع في شبهة صحة القول إن منشأ الفساد يكمن في طائفتنا أو أنها سلة للمهملات، رغم أن هذه الطائفة هي جزء من النسيج اللبناني لها ما له وفيها ما فيه، وهي إطار للجمع وليست حقلاً للرماية وهدفاً للقصف.
وما دفعني لكتابة هذه السطور، هو ما جرى على لسان الجنرال في كلام الناس، حيث عاد الى نبش القبور واتهم رفيق الحريري، بأنه ما زال حتى الساعة يطبخ الفساد في ضريحه، وسخر من ابنه، وصب غضبه على السلالة داعياً الى قطع دابرها، تاركاً الأمر ملتبساً بين ما إذا كان الدابر المطلوب قطعه هو سلالة الحريري أم سلالة الطائفة التي ينتمي اليها…
بعد هذا قررت أن أوجه للجنرال سؤالاً علنياً وهو: "لماذا تصرّ على استعدائي"؟! لماذا ترغمني على خصومتك كأنه ليس بيني وبينك سوى قيد النفوس الذي يحدد انتمائي، فيما المساحة التي يمكن أن تجمعك بالمواطنين أكبر بكثير من المساحة المخصصة لخانة المذهب في بطاقة الهوية؟!
لقد تكرم منذ مدة قريبة سماحة مفتي طرابلس والشمال الدكتور مالك الشعار ودعاني الى جلسة ضمتنا مع معالي الأستاذ جان عبيد، فكان حوار ممتع مع رجلي الحكمة ختمه معاليه بعدما أبدى ملاحظاته المريرة على ما ينتاب الحياة السياسية من شوائب ببيت لأبي الطيب يقول: "وكيف يتم بأسك في أناسٍ
تصيبهم فيؤلمك المصابُ".
فأيقنت أن الفتنة لا تفيد، مثل الجريمة تماماً، وأن بأسنا إذا كان في ما بيننا شديد، بمصابه مؤلم لجميعنا.