الانتخابات النيابية واشكالية الخيار لدى البعض
المحامي جورج ابو صعب
عندما يقال ان لبنان ذات نظام ديمقراطي برلماني فانما المقصود منه ان في لبنان مبدأ تداول السلطة اي التناوب بالخيار الشعبي في تولية السلطة لرجال سياسة ومتعاطين بالشأن العام في سبيل تأمين الصالح العام ومصالح الدولة العليا.
وبما ان الشعب مصدر كل السلطات كما جاء في مقدمة الدستور، وبما ان هذا الشعب يمارس سلطته عبر مفوضين له او وكلاء هم النواب فان التفويض يكون تفويضا وطنيا عاما من اجل ان يتولى النائب المنتخب تعيين السلطة التنفيذية وانتخاب رئيس الجمهورية، وسن القوانين والتشريعات ومراقبة اعمال السلطة التنفيذية طرح الثقة بها واسقاطها.
من هنا أهمية الانتخابات البرلمانية في نظامنا اللبناني، ومن هنا خطورة الخيارات الوطنية التي سوف تفرزها صندوقة الاقتراع: فالشعب الذي هو مصدر السلطات في الدول الراقية ديمراطيا هو الشعب الذي تتوفر لديه مقومات الخيار الصائب والحر والمتحرر من اي اعتبارات: لا نقصد طبعا في كلامنا هذا لا سمح الله التقليل من وعي وادراك وتنور الشعب اللبناني ولكن نرمي في هذه المقالة الى طرح اشكالية خطيرة وهامة: فالسؤال يطرح حول قدرة الشعب اللبناني… كل الشعب اللبناني على الاختيار الصائب والصحيح.
ان ثقافة الشعب السياسية والعامة تلعب دورا اساسيا في جعل خياراته ثاقبة وموفقة: لان الثقافة الوطنية والعامة تؤلف المدماك الذي عليه اولا تبنى الرؤية لدى كل مواطن لوطنه ومستقبله. فبقدر ما نمكن المواطن من تحديد خياراته لا بل نظرته بحرية ودون تأثير وتأثر بالمحيط والبيئة السياسية والدعائية الملوثة بقدر ما ننجح في تحرير رأيه من ترسبات المحسوبيات والمجاملات والاعتبارات الضيقة التي يستغلها السياسي الوصولي لتسجيل انتصارات وهمية وفارغة في محتواه الوطني والسياسي.
نقول هذا الكلام لنضع الاصبع على جرح بعض اللبنانيين الذين تتقاذفهم في خياراتهم الوطنية نزعات المحسوبية والشخصنة والنكاية، فيختار البعض زعيما له لا لاقتناعه به بل فقط لضيق افق نظرته الى البلاد والمصالح العليا لانه ليس مثقفا بما فيه الكفاية في تحديد خياراته واين تكون مصلحة الوطن والشعب.
ان الانتخابات النيابية ليست بلعبة او هواية كما يعتبرها البعض من اللبنانيين، لان الانتخابات خيارات… والخيارات قرارات ستلزم لبنان الى 50 سنة مقبلة اقله عملا بمبدأ تداول السلطة واستمرارية الدولة. بحيث ان اي قرار او خيار تتخذه الاقلية الحالية ان وصلت الى الاكثرية النيابية سيكون على حساب الهوية اللبنانية السيدة والحرة والمستقلة. ليس بالضرورة لانهم يريدون ذلك بل لانهم ملزمون بهذه التبعية لان الحلفاء الاقليميين لا يفقهون الديمقراطية والسيادة والشخصية المميزة للبنان بل يعتبرون الموالاة بقدر الطاعة والطاعة بقدر التبعية. ما سيعني ان الاقلية التي اذا اصبحت اكثرية ستكون بلا شك رهينة الحسابات والرؤى الحليفة في المنطقة (سوريا وايران تحديدا ) ما سيذوب هوية وخصوصية مصالح لبنان في هذه اللعبة الاقليمية والدولية الحهنمية، خصوصا وان في اسرائيل اليوم حكومة متطرفة نعلم تمام العلم بانها لن تستكمل مشوار السلام كما بدأ بل سوف تقطعه وتخوض سلاما من نوع أخر لا يعترف بدولة فلسطينية بل بسلطة فلسطينية محدودة ذات استقلالية في بعض الشؤون الحياتية والاقتصادية والامنية الداخلية على القطاع والضفة، فيما المستوطنات ستستمر في الازدياد والانتشار على حساب الاراضي العربية المحتلة.
لذلك فان خيارات 8 اذار معروفة اذا ما وصلت الى سدة الحكم: خيارات الحرب والمواجهة، ودائما لبنان بمفرده طبعا، وبالتالي فان البعض من اللبنانيين الذين سيختارون الاقلية للحكم يجب ان يدركوا انهم يختارون فعليا تشريع ابواب لبنان امام كافة الاحتمالات السيئة والاسوأ، واي قرار سيصدر من لبنان المحكوم من الاقلية الحالية سوف ينهي في لبنان سيادته واستقلاله ويحوله الى غزة جديدة وفي افضل حال الى ساحة مواجهة مفتوحة مدمرة للبلاد والعباد.
لذلك المسألة هذه المرة ليست موضوع انتخابات نيابية و"همروجة يوم" وتمضي ونصفق لمن انتصر ونتاسف على من خسر، بل هي وخصوصا هذه المرة تحدي اساسي يواجهه لبنان مهما حاول المقللون بنية سليمة او بسوء نية التقليل من اهمية الاستحقاق.
لذا فان ثقافة الشعب مهمة ولعل الوقت لم يعد يسمح بان نقترح البرامج التثقيفية والرؤية الاصلاحية لكيفية اختيار الشعب لممثليه وبخاصة بعد الذين نراهم مقتنعين حتى الثمالة العمياء ببعض السياسيين الذين نربأ بتسمية زعماء لكبر هذه العبارة عليهم. فهذا البعض من اللبنانيين لا يرى من لبنان الا سنوات قليلة ماضية متناسيا تاريخ هذا البلد العريق في محيطه والفريد في رسالته العالمية والاقليمية.
فالاشكالية التي نحن بصددها في هذه المرحلة والتي تضاف الى اشكاليات أخرى كثيرة هي: في السؤال عن اي حد ثمة بعض اللبنانيين الواعين حقيقة خياراتهم وحقيقة ما هم ذاهبون لتأييدهم في قوى 8 اذار …
فالايام القادمة قد تكون كفيلة بالرد على قسم من السؤال …