ما دامت الانتخابات معركة مبادئ بين خطين سياسيين
لماذا محاولة جعلها معركة أحزاب وأشخاص وأحجام ؟
إذا كانت الانتخابات النيابية المقبلة هي فعلاً انتخابات مصيرية ومفصلية تضع لبنان على مفترق لجهة السيادة والاستقلال والحرية والهوية والكيان، وانها انتخابات بين خطين سياسيين او مشروعين على الناخب ان يقترع لأحدهما وخصوصاً الناخب المسيحي الذي تقع عليه قبل غيره مسؤولية اختياره بين هذين الخطين، لأنه كان في اساس وجود لبنان سيداً حراً مستقلاً ورفضه كل انتداب ووصاية فينبغي الا يقوم خلاف على اختيار المرشحين لأن كل مرشح يؤمن إيماناً صادقاً بلبنان الوطن لا الساحة، ولبنان الدولة القوية الواحدة لا لبنان الدويلات، ولبنان الواحد الموحد وليس لكل طائفة لبنانها ودولتها، ينبغي أن يتم اختياره سواء كان هذا المرشح حزبياً او غير حزبي مع الأخذ في الاعتبار قوة شعبيته، فقد يكون حزبياً مؤمناً بهذه المبادئ لكنه لا يتمتع بالشعبية التي يتمتع بها سواه غير الحزبي، أما اذا كانت معركة اشخاص واحزاب واحجام، وليست معركة مبادئ فإنه يصبح للخلاف على الحصص وعلى المرشحين مبرر ولا تعود الحاجة الى برامج ومشاريع سياسية واقتصادية وانمائية.
لقد شهد لبنان في تاريخه السياسي انتخابات نيابية مهمة ومصيرية بالنسبة الى كيانه وهويته واستقلاله وسيادته لا سيما منها انتخابات 1943 التي خاضها المرشحون بين خطين سياسيين: خط حزب الكتلة الوطنية الذي كان يريد للبنان استقلالاً مرتبطاً بمعاهدة مع فرنسا كي تكون مسؤولة عن حماية هذا الاستقلال اذا ما اعتدي عليه خصوصاً وهو دولة صغيرة تقع بين دولتين قويتين وأكبر منه هي سوريا التي لها مطامع به، والدولة اليهودية التي كانت في طور الانشاء. وكان حزب الكتلة الوطنية ضدّ انضمام لبنان الى جامعة الدول العربية كي لا يصبح طرفاً عندما يقوم خلاف بين هذه الدول وتصبح ساحته مستباحة للصراعات والتجاذبات بين هذه الدول. واراد هذا الحزب ان يكون لبنان على علاقات طيبة مع جميع الدول العربية بدون اي تمييز خدمة لمصالحه ودفاعاً عنها، فيقف على الحياد عندما تختلف ويقف معها عندما تتفق، بحيث ان سياسة الحياد الايجابي التي يدعو اليها عدد من القيادات اليوم تكون قد بدأت من عام 1943. لكن حزب الكتلة الدستورية كان له خط سياسي مختلف، يدعو الى ان يكون استقلال لبنان تاماً وناجزاً غير مرتبط بمعاهدة مع فرنسا او غيرها من الدول وان يكون عضواً مؤسساً في جامعة الدول العربية لأنه جزء من العالم العربي وليس هو بالجزيرة التي يمكن عزلها عن تطورات المنطقة. لكن الحقيقة هي ان بريطانيا كانت ترعى انشاء الجامعة واذا كان قد وصف لبنان يومها بانه ذو وجه عربي، فهو نتيجة تسوية تم بموجبها اختيار هذه العبارة التي ترضي المسلمين والمسيحيين، إلا ان مطامع سوريا بلبنان ظهرت منذ ذاك الوقت وعدم الاعتراف به كدولة مستقلة وذلك بالعودة الى محاضر تأسيس الجامعة. وقد اعترض الوفد السوري المؤلف من رئيس الحكومة سعد الله الجابري ووزير الخارجية جميل مردم بك على ان يكون لبنان أحد الاعضاء المؤسسين بحجة ان لبنان دولة غير مستقلة، لم تقطع علاقاتها بالغرب بعد. وتمت معالجة الأمر بتحرك مصطفى النحاس ونوري السعيد فتوسطا لدى سوريا لحل المشكلة. وتمت المعالجة على الشكل الآتي: صرح وفد لبنان "انه لن يقبل بأي شكل من الاشكال ان يكون نقطة انطلاق لأي مؤامرة غربية ضد سوريا وانه يتقيد بنظام الجامعة بحرفيته ويتعامل بروح اخوية مع العرب. وسجل الوفد السوري على محضر التأسيس ما يلي: "بالاستناد الى الضمانات والتطمينات التي صدرت عن الوفد اللبناني، نوافق على ان يكون لبنان احد مؤسسي الجامعة العربية ولكننا نود ان نسجل في هذه المناسبة انه لن يمر وقت طويل قبل ان يطالب شعب لبنان بالانضمام الى شقيقه الشعب السوري"، (مذكرات فؤاد بطرس). هذا الموقف المسجل ظلت سوريا تعمل على ترجمته مستعينة بفريق لبناني كي يستقوي بها على الفريق الآخر، وهو وضع لا يزال لبنان يعاني منه حتى الآن رغم اعتراف سوريا الكلامي باستقلال لبنان واحترام سيادته، ورغم تبادل التمثيل الديبلوماسي بين البلدين.
وقد فاز يومها مرشحو حزب الكتلة الدستورية المدعوم من بريطانيا المنتصرة في الحرب العالمية الثانية على مرشحي حزب الكتلة الوطنية المدعوم من فرنسا المهزومة في تلك الحرب. ولم يكن الناخبون يعرفون معظم المرشحين على اللائحتين بل يعرفون الخط السياسي لكل لائحة. وكان الحكم للأكثرية الدستورية التي التزمت سياسة الحزب في الداخل وفي الخارج.
ثم كانت انتخابات 1947 بين الحزبين التي يمكن وصفها بانتخابات أخذ الثأر، فلجأ الحزب الدستوري الحاكم الى تزوير تلك الانتخابات كي يعود بأكثرية تجدد لرئيسه الشيخ بشارة الخوري، لكن هذا التزوير كان بداية انهيار العهد المجدد له باعلان اضراب شعبي مفتوح انتهى باعلان الشيخ بشارة الخوري استقالته من رئاسة الجمهورية.
وجرت انتخابات 1968 بين خطين سياسيين أيضاً: خط مرشحي "النهج الشهابي" وخط مرشحي "الحلف الثلاثي"، وقد اتهم الناخبون المسيحيون بصورة خاصة مرشحي النهج بأنهم حلفاء للناصريين الذين يريدون ضم لبنان الى وحدة عربية وتذويب كيانه في هذه الوحدة، بينما كان شعار مرشحي "الحلف الثلاثي" مقاومة هذه السياسة دفاعاً عن كيان لبنان واستقلاله وسيادته. وقد سقط معظم مرشحي النهج وفاز مرشحو الحلف فوزاً ساحقاً، وانتخب أحد أركان "تكتل الوسط" النائب سليمان فرنجيه رئيساً للجمهورية وفاز بصوت واحد هو صوت الشعب.
والانتخابات النيابية في 7 حزيران المقبل قد تكون من حيث نتائجها اهم من اي انتخابات سابقة لأن نتائجها قد تقرر مصير لبنان نظاماً وهوية وكياناً، وكما ان الصوت المسيحي هو الذي حسم المعركة بين "النهج" والحلف، فان هذا الصوت هو الذي عليه ان يحسم المعركة بين قوى 8 و14 آذار. فاما يفوز مرشحو قوى 14 آذار والمتحالفون معها بالأكثرية فيكون فوزهم فوزاً للحرية والسيادة والاستقلال وفوزاً لقيام الدولة القوية القادرة على بسط سلطتها وسيادتها على كل الاراضي اللبنانية، فلا يكون سلاح غير سلاحها ودولة غير دولتها وسلطة غير سلطتها وقانون غير قانونها، وتكون حيادية في الصراعات وتعمل بوحي من "شرعة العمل السياسي" التي صدرت عن الكنائس مجتمعة وبالوثيقة السياسية التي اعلنتها قوى 14 آذار وتجيب عن سؤال اي لبنان نريد وتستجيب نداءات مجالس المطارنة الموارنة وفيها: "ان لبنان على مفترق طرق اما ان يكون دولة تعي مسؤولياتها او تتنازل عن صلاحياتها او لا تكون دولة". فهل يصوت اللبنانيون ولا سيما المسيحيون مع هذا الخط السياسي او مع الخط الآخر الذي يدعو لوجود دويلات الى جانب الدولة والى سيادة مشتركة واستقلال محدود وسلطة تابعة، ودولة مواجهة تجعل ارضها ساحة مستباحة لكل الصراعات العربية والاقليمية والدولية، بحيث لا ينعم أبناؤها بالراحة والأمن والاستقرار ولا بالعيش الكريم والحياة الحرّة.